.jpg)
“بشير حيَ فينا” شعار لطالما ردده الكثيرون في ليالي أواخر آب ومع نسمات أيلول. خلال 21 يوماً فقط استطاع رئيس الجمهورية اللبنانية الشهيد بشير الجميل إحداث التغيير بعكس الآخرين، كيف؟
سؤال طرح مراراً، وفي ظلَ كل الظلام المحيط بنا يعود إلى الواجهة: كيف استطاع بشير الجميل أنَ يحدث تغييراً في 21 يوماً فقط؟ ما هي انجازاته؟ وما ميزه عن باقي الرؤساء؟
خلق بشير حالة استثنائية في وجدان اللبنانيين في 21 يوماً منذ لحظة تسلمه السلطة، استطاع تغيير النفوس قبل الطقوس. ففي 23 آب 1982 انتخب بشير الجميل “الرئيس الحلم” كما يصفه البعض، رئيساً للجمهورية اللبنانية وخاض معارك سياسية وإدارية بارزة كادت أن تنتشل الوطن من “جهنم” لولا سخرية القدر ولعنة الزمن.
لم يتأخر بشير الجميل في إثبات أنه “الرجل المناسب في المكان المناسب”، فبحسب ما تقول مصادر مطلعة على تلك الحقبة “لم تكد تنتهي عملية انتخابه حتى بدأت مفاعيلها تظهر على الارض. النظام فرض في المؤسسات العامة والرسمية بعدما عمّت فيها الفوضى لسنوات. الموظفون الإداريون في الدولة من شرطي السير الى المدراء، عادوا إلى العمل الحضوري، يأتون في الوقت المحدد ولا يغادرون قبل انتهاء دوامهم. عادت الامور “لتمشي متل الساعة”، وفق ما يقول المثل “الحكم هيبة” أوّلاً، قبل “الصلاحيات والمواقف العالية السقف والتسويات والتحالفات”.
وهذه “الهيبة” لم يتمكّن سوى “البشير” من فرضها على مساحة الـ10452 كلم2، في خضم 21 يوماً فقط. ما ميز “البشير” عن سائر القادة هو مثوله إلى أرض المعركة جنباً إلى جنب مع المقاتلين، لم يختبئ يوماً ولم يترفّع عن المحاربة يوماً فقد خسر ابنته وحتى حياته إيماناً بقضيته الأولى وسبب وجوده، الدفاع عن لبنان والحفاظ عليه شعباً وتاريخاً وثقافةً: هذا هو “البشير”!
بشير الجميل عكس سائر الرؤساء، وصل إلى سدة الرئاسة بتصفيق شعبي عارم تخطى الطوائف والمحسوبيات ولم يمّر بتسويات أو تنازلات. كانت تصاريحه تحمل إصلاحاً اجتماعياً، وتدور في فلك محاربة الفساد ولا سيما في مؤسسات الدولة وتوابعها، “البشير” لم يكتف بصنع القرار وإصدار الأوامر بل سعى لتطبيقها بدء من ذاته أولاً.
كان “البشير” يبغض الفساد و”التعايش المتكاذب”، بحسب قوله، ويدعو إلى تصفية القلوب بين الطوائف وقول الحقيقية “قد ما كانت صعبة” لأنه يرى أنها الباب الوحيد للمصالحة والمحبة، وكان يعتبر المحبة تفوق بأشواط العيش المشترك المقيد.
شدّد “البشير” مراراً وتكراراً بعد انتهاء الحرب على أهمية دور الجيش اللبناني في الدولة الموحدة ونشره على كافة الأراضي اللبنانية خصوصاً على الحدود من دون استثناءات أو امتيازات، وذلك تفادياً للحروب المحتملة والمحتمة.
ودعا كافة الميليشيات إلى تسليم سلاحها إلى الجيش اللبناني وهذا ما قام به حزبه بغية إنهاء الصراع الداخلي بين المقومات اللبنانية ومنع الأطراف المحلية من الانخراط في حروب دامية وقضايا إقليمية التي بنظره لم تود إلاّ إلى دمار الكيان اللبناني.
أما بالنسبة لصيغة النظام اللبناني، فكان يحبذ الدولة المركزية القوية الموحدة والقادرة على مواجهة التحديات ومواكبة التطورات، وفي حال فشل إحلال تلك الصيغة كان يحبذ النظام “الفدرالي الاتحادي” ضمن محافظات اتحادية تعمل سوياً من أجل إحقاق المصلحة العليا وبالتالي رفض مشروع التقسيم، إذ اعتبر أنه بالتقسيم سيتم منح سوريا وفلسطين وإسرائيل جزءاً من الأراضي اللبنانية.
انتقد “البشير” خلال فترة رئاسته الخمول و”الزعرنة” والغش الذي غالباً ما يحصل عندما يصل شخص جديد إلى السلطة.
وأبرز ما حصل في عهده أنه رفض أن يمضي معاهدة سلام مع إسرائيل على الرغم من التوافق الذي حصل بين الطرفين على عدة نقاط، إذ اعتبر نفسه “رئيس جمهورية” كل لبناني ولا يمثل فقط نفسه وحزبه أو جبهته من جهة فأراد الحصول على توقيع الدولة اللبنانية برّمتها انطلاقاً من المجلس النيابي وصولاً إِلى مجلس الوزراء.
من جهة ثانية، اعتبر أنّ اتفاقية السلام بين بيروت وتل أبيب لا يمكن تطبيقها من دون الانسحاب الكامل والشامل للجيش الإسرائيلي من كافة الأراضي اللبنانية.
بشير الجميل استلم مهامه العسكرية في حزب الكتائب تدريجياً ولم يتم تعيينه “بين ليلة وضحاها” لرئاسة الحزب وقيادة معاركه العسكرية كونه ابن المؤسس بيار الجميل. وبالتالي كان توليه منصبه يشكل انتفاضة على الإقطاع السياسي العائلي الذي لطالما انتقده في خطابات السياسية.
هذا النموذج الحلم قدمه “البشير” في 21 يوماً رئيساً فقط لا غير، ولم يحقق أياً من أسلافه أو حتى خلفائه إنجازات مماثلة وبهذه السرعة أقله.
وبالطبع أقرب شيء إلى قلوب اللبنانيين هي طريقة خطابه واستخدامه العامية واعتماده على الأمثال الشعبية اللبنانية بصورة متواترة بدون كلفة أو تصنع، إنه “البشير” من الناس وإلى الناس ولذلك عشقه الكثير من الناس.
سأنهي مقالتي بخطاب أعتبره بغاية الأهمية ونحن بأمسّ الحاجة إلى سماعه اليوم وفي كل حين: “دولتنا أكبر مزرعة، دولتنا أكتر دولة فيها سمسرة وسرقة مصاري وتجليط، دولة لامبالاة، دولة غش دولة ما فرقانة معها، لأنو مصيرنا صار لازم يكون بين إيدينا ومستقبلنا صار لازم يكون بين إيدينا، ولأنو كياننا صار نحنا بدنا نكون مسؤولين عنو لنقدر نبني وطن جديد، لنقدر نبني أمة جديدة، لنقدر نبني نظام جديد يكون في عندو دولة ما بتنقسم على بعضها، يكون في عندو دولة منا مبنية على الغش والفساد و”الزعرنة” والسمسرة، يكون في عنا دولة قادرة تحمينا لما نضطر نحنا كل ما دق “الكوز بالجرة” نحميها.
كل مؤسسات الدولة الماية انهارت، دولة، كيان، شعب، حضارة، أمّة، ما ممكن تنبنى، الدولة إذا ما عندها قوة تقدر تستند عليها. بلا قوة ما ممكن نحافظ على لبنان وقوة بلا حق بتصير دكتاتورية وهيدا الأمر كلنا منرفضو، إنتو يلي بدكن تحافظو على وحدة لبنان، إنتو يلي بدكن تحافظو على لبننة الأرض، إنتو يلي بدكن تبنو جيش، جيشكن الوطني لي بينتصر، جيشكن لي بقاتل، جيشكن يلي بحافظ على حضارة عمرها فوق الـ6000 سنة. نحنا ربينا على الواسطة، نحنا ربينا على التجليط ولأنو ربينا على الواسطة وصلنا لهون. يلي مطلوب منا قلبياً، عقلياً، سياسياً ووطنياً ه المخاض لي عم نعيشو ليطلع لبنان قوي، يطلع لبنان سليم، يطلع لبنان نضيف، يطلع لبنان مش سمسار، يطلع لبنان مش مرتّ متل يلي كان عنا وساعتها منقدر نقول إنو عم نعيش على أرض بتستاهل إنو نموت كرمالها، بتستاهل إنو نعيش عليها وبتحرز إنو نعطيها كل شي لتبقى هل أرض الحلوة لي جدودنا خلقوها هيك ولي نحنا بدنا نحافظ عليها”.