(1).jpg)
التَّرِكَةُ، في اللّغة، هي مجموعُ ما يتركُهُ المُتَوَفّى للباقينَ من أهلِه، أو لِمَن يوصي بهم. أمّا في الفِقه، فهي تشملُ كلَّ ما يتركُهُ المَيتُ من أموالٍ، ومنافع، وحقوق، من دون إِغفال ما يتعلَّقُ بالتّركةِ من حقوقٍ للغَير، كالدُّيون، والقُروضِ… يمكنُ للتَّرِكةِ أن يبدِّدَها المُستَهتِرون، إذا مالوا الى بَريقِ الدّنيا، أمّا إذا لاحظَها المستفيدون بالعناية، فالمَردودُ غيرُ شَحيح.
التَّرِكةُ، في الحكم، عندَنا، تُحفاتٌ بَهِيَّةٌ كالعلامةِ التي تَقرعُ بابَ الزَّمن، خصوصاً بِما خلَّفَته، في بلادِنا، من حَلوى العَيش، ومن مُحاضراتِ تَأجيجِ الوَعيِ الوطنيِّ، التي ينبغي أن تُدَرَّسَ في مناهجِ التربيةِ الوطنيّةِ، ليَثبُتَ، معها، مفهومُ الانتماء السَّليمِ الذي ينتمي الى ذِريّةِ الولاء.
بينَ الحُكمِ وبين المُتَرَبِّعين على رؤوسِ الناس، عِشرةُ عمر، واستِطابةٌ فطريّةٌ لِمَواقِعِه، ومَحاسِنِه، بحيثُ لا تَخمدُ نارُ اشتياقِهم إليه، يَرجونَ امتدادَ إقامتِهم في رُبوعِه، ويبتهلونَ لكي تكونَ هذه الإقامةُ أزَليّة. فمواقعُ النِّعَمِ فيه، لا تنضبُ، في مُخيَّلاتِهم، منابعُ الابتكار لكيّ يَصبَّ خَصبُها في مَجاريهم، وقد نجحوا في تسجيلِ أَعلى نسبةٍ من الإِلفةِ بينَهم، وبينَه، لا يَشوبُها تَنافُرٌ أو شِقاق.
في عهدِ المَكارِهِ، كما من قبل، اقتحمَ الحكمَ مُترَفو الموهبةِ في إدارةِ الدّولة، وكان حالُهم معها كَحالِ علي بابا مع الكُنوز، فقد استماحوا خزائنَها كي لا يكونَ في غَلَّتِهم ظَمَأ، لذلك، أَعطَوا ما يُستَوجَبُ من جهدٍ ووقتٍ لتَرصيعِ يواقيتِ النَّهب، وكلُّ هذا، من دونِ شَكّ، للمصلحةِ العموميّة. وقد أسَّسوا فرقةً للتَّبادُل، تُصافِحُ يُمناها الوطنَ، وبشِدَّةِ شَغَف، على المَلَأ، وتَروغُ، كالثَّعالبِ، وبمَكرٍ ماهر، خدائعُها التي تركَت، في الوطن، المَآثِرَ التي لا تُنسى.
أمّا التَّرِكةُ التي أَتحفَتنا بها هذه المنظومةُ النّادرةُ، المُلتَصِقةُ بأكثرِ مراحلِ الانحطاط، والكارهةُ للنّزاهةِ، والصّدقِ، فمُطَوَّلاتٌ لا تُحصى في فنونِ السَّرقةِ، والابتزاز، والتَّبَعيّةِ، والتَّنفيعاتِ، والسَّمسرات، هي، في مفهومِ هؤلاءِ النَّموذجِيّين في الأَداءِ السياسيِّ، والوطنيّ، الكَمالُ في النَّقاءِ، والعطاءِ… والبَلاء.
لقد استغلّوا عِشرةَ السلطةِ في استدراكٍ لِما فاتَ غيرَهم من خُطَطِ استنزافٍ للمواردِ، وتَحنيطٍ للنموّ، وتسطيحٍ للاهتمام بمَطالِبِ الناس، وتَسويفٍ للمشاريعِ المُنتِجة، وتَشويهٍ لِطَلَّةِ لبنانَ على العالَم… لكنَّ تَرِكتَهم، هذه، لم تَصدمْ أَحداً، فارتباطُهم العُضويّ بالخَلقِ الشَّنيع، كان مَرجعَ عَفويّتِهم الخَلّاقةِ في استنباطِ الموبِقات، خدمةً لمصالحِهم المَقيتةِ، وأهدافِهم البَغيضة… وكلُّ هذا خِدمةً للبنان.
“أنا أسرقُ، إذن، أنا موجود”، هو عنوانُ التَّرِكةِ التي يمكنُ أن يتلقَّفَ قدسيَّتَها المُستَفيدون الحالِيّون، فهي لَقِيَّةُ الدَّهر، وإِرثُ الأَعيان، وخَوارقُ المُحتَرِفين، وبَصمةُ المُبدِعين في إدارةِ شؤونِ الوطن. ويُطلِقون تصريحاتِهم المُفَوَّهة، ويكرِّرونَ ظُهوراتِهم السّاحرة، وكأنّهم مَطالِعُ الشُّموس، وهم لا يدرون، أو أنّهم يدرونَ ويستهزِؤون بنا، على الأَرجَح، بأنّ ذُنوبَهم لن تمرّ، فالهزَّةُ الارتدادية للشَّعبِ المَقهور، بعدَ تلكَ الانتفاضة العارِمَةِ في تشرين، لن تُمزَجَ نَفاستُها بالتَّمييع، وكأنّها لَمعَةُ بَرقٍ تتلاشى.
الآتونَ حديثاً الى السُدَّة، خِلافاً لرئيسِهمِ المُذَلِّلِ للعقبات، بدأوا مَشاهدَهم بالتأَلّقِ الذي تَتماشى معه الضّحِكةُ الدائمة، ولا أقولُ الاستهزاء، فالضّحكةُ للاستخفاف، أمّا الهُزءُ فللسّخريةِ والتَّحقيرِ، والفارِقُ في القيمة. لقد استهلَّ الجُدُدُ طلّاتِهم بكلامٍ خَشَبيِّ مُكَرَّر، أسدلَ النّاسُ عليهِ ستارةَ لامبالاتِهم، منذ زمن، بعدَ أن اختبروا عُقمَه، وزُورَه، وخدعتَه السَّمْعيّة. فالتّرويجُ لعودةِ الدولةِ الى الدولة، لطالما سَمِعْنا مثلَه، ولطالما دارَت رُحى أَلسُنِ المسؤولينَ، في طواحينِ الهواء، من دونِ أن نرى طَحيناً. مع العِلم، أنّه، بالإضافةِ الى اليأسِ المُفرِطِ في قضيةِ “تَقميصِ” الدولة، على يَدِ أَدعِياء، لا زلْنا نُعَوِّلُ على القُدرةِ الماورائيّةِ لنُجدتِنا، واستعادةِ اللَّونِ الأبيضِ لحياتِنا. أمّا تَسويقُ خطّةِ النُّهوض، والتي ستحتلُّ حَيِّزاً مُهَيمِناً في البياناتِ والإطلالات، فهو تَرويجٌ اصطناعي هَشٌّ لتَقطيعِ الوقتِ ريثَما يَحينُ زمنُ الانتخابات التي نرجو أن تُراعيَ نتائجُها آمالَ النّاسِ بالتَّغييرِ المَأمول، والكلُّ يرى فيها عودةَ الأَملِ الضائع!
إنّ ثاقِبي النَّظَر في شؤونِ اللّعبةِ السياسيّة، والذين بمَقدورِهم التَّمييزُ بين الشِّعاراتِ الخُلَّبيّةِ، وبينَ تَطبيقِها بالفِعل، لا يعطونَ ائتِماناً موثوقاً لما تستطيعُه هذه الحكومة، بالرَّغمِ من اقتناعِهم، نَظَريّاً، بأنّ الوضعَ مع حكومة، أفضلُ منه بدونِها، وبأنّ الضّغوطَ الخارجيّةَ التي أَولَدَتها، ستضخُّ دَعماً ماديّاً، ومعنويّاً، اتِّقاءً لانهيار البلد، ليسَ إلّا، فالمرجعيّاتُ الدَّوليّةُ لا تَسَعُ جُعبتُها لِأَزمةٍ إضافيّةٍ، فممنوعٌ، حاليّاً، إِزكاءُ موقدةِ لبنان.
وبعد، إنّ المطلوبَ، أيّها الآتونَ لافتتاحِ عصرِ الانتقال الى زمنِ الدولة، كما نَسمعُ في تَسطيراتِكم، ألّا تَقتَبِسوا تُرَّهاتِ مَنْ سبقوكم، والتي أَفصَحَت عن تَدَهورٍ دراماتيكيٍّ على مستوى السّلوكِ السياسيِّ، والوطنيِّ، لهؤلاء. ولا تَدَعونا نحشرُكم، معهم، في مَضبَطةِ الاتهام باغتيالِ الحقّ، والافتراء على الحقيقة، ونُتلِفُكم، كما هم، كَومةً مُلَوِّثَةً أَنزَفَتْ قلبَ الوطن، وشَلَّت أَمَلَ أهلِهِ بالأَفضل.
رجاءً، دَعوا الرَّفشَ يَسقطُ من يَدِنا…