السياحة بين فكَّي الإقتصاد والكباش السياسي

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1720

السياحة بين فكَّي الإقتصاد والكباش السياسي

الأشقر: زمان الأول تحوَّل بكاءً على الأطلال

 

على مدى نصف قرن شكّل القطاع السياحي الرافد الأبرز لخزينة الوطن الجميل والمقصد الحلم. وكان القطاع الفندقي مثالًا يُحتذى به في العالم لناحية الرفاهية والتنظيم وحسن الضيافة. وفي أيام العز، وصل الدخل السنوي للبنان من السياحة إلى 7 مليارات دولار، أي حوالى 20 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. وكان يستولد فرص عمل لعشرات آلاف الشباب خصوصاً في وقت الذروة. لكن زمان الأول تحوّل. فبعد سقوط قبلة السائحين ومقصد الملايين فريسةَ المشاريع الإقليمية المتوسِّلة الحروب العبثية حينًا ومصادرة قرار الدولة في كل حين، تبدّل المشهد. خسر لبنان تلك الميزة وذاك المورد، ولم يعد الحلم والمقصد والمرتع. وزاد في المأساة إنقطاع السفر بسبب جائحة كورونا العام الماضي، والكوارث التي حلّت بلبنان هذا العام، ولا سيما في الصيف، فقطع المصطافون إجازاتهم وحزموا حقائبهم وغادروا. وبدل أن يشهد المطار زحمة الوافدين، تحوّلت الى صفوف المغادرين لأن ثمة من لا يريد لهذا البلد البحبوحة والفرح… «المسيرة» حملت كل هذه الهواجس إلى رئيس إتحاد النقابات السياحية في لبنان نقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر، فكان الحديث التالي:

 

بعدما أشرف الموسم السياحي لهذا العام على نهايته، ووسط كل ما يشهده لبنان من أزمات وكوارث، كيف تصف النتائج على ضوء ما كنتم قد قمتم به من جهود لإنجاح الموسم؟

بداية لا بد من الإشارة إلى أننا كنا أطلقنا نداء في آذار ونيسان الماضيين دعونا فيه المغتربين إلى قضاء عطلاتهم في لبنان بدل الذهاب إلى وجهات أخرى. وبالفعل أثبت المغتربون كما دومًا أنهم أصحاب أصالة عالية وحس وطني، وفي الوقت نفسه هناك بعض الصعوبات في عدد من الدول التي تعتبر وجهات سياحية، مما ساعد على وفادة اللبنانيين المقيمين في الخارج إلى لبنان. وبلغ عدد الوافدين من المقيمين في الخليج العربي حوالى 450 ألفا، ومن أفريقيا حوالى 250 ألفا، وحوالى 150 ألفا من أوروبا وأميركا. هؤلاء أدخلوا معهم النقد النادر الذي يحتاجه لبنان. لكن معظم هذا الإنفاق لم يذهب إلى الفنادق لأن هؤلاء في الغالب مواطنون توجهوا إلى الإقامة مع الأهل والأقارب أو حتى من نزل فندقًا اختاره خارج بيروت.

فالفنادق خارج بيروت انتعشت كثيرا من الشمال إلى الجنوب إلى البقاع. وترافق ذلك مع إنتعاش قطاع جديد دخل إلى السوق ويتمثّل بتأجير شاليهات أو بيوت أو حتى غرف في بيوت. وهذا ما ساهم في إنعاش مناطق الأطراف ومنها دوما أو جزين أو البقاع، إضافة الى إنتعاش خدمة تأجير المنازل خلق نوعًا من الإنماء المتوازن.

إلى أي مدى ساعد إدخال العملات الصعبة إلى لبنان في إنعاش القطاع الفندقي؟

الإنفاق في غالبيته كان بالليرة اللبنانية بما أن الوفادة اقتصرت بمعظمها على اللبنانيين. فالنقد النادر دخل إلى السوق لكنه لم يدخل إلى حسابات الفنادق، بل بالعكس. فمثلا معروف أن الحجوزات تتم قبل أسابيع، ومَن حجزَ غرفة بـ600 ألف ليرة، عندما بدأ باستخدامها كانت قيمة العملة شهدت مزيدًا من التراجع، ولا يمكن زيادة التعرفة على الضيف لأن الإتفاق حاصل سابقاً، فيما ندفع نحن بالقيمة الفعلية للدولار لتأمين الخدمة، كأجور غسيل بدلات الأسرّة والمناشف في المصبغة، والشامبو والمساحيق والروب وغيرها… هذا الأمر كبّد الفنادق خسائر في حين كان يُفترض أن يشكّل الموسم فرصة للربح.

مسألة أخرى أثرت في شكل سلبي وهي فاتورة مولّدات الكهرباء التي ارتفعت بنسبة تفوق الـ40 في المئة بين فترة الحجوزات وفترة التشغيل وكذلك بالنسبة إلى كلفة شراء الماء التي زادت أضعاف ما كانت عليه. في المقابل رفعنا أجور موظفينا ليتمكنوا من مواجهة الضغوط والزيادات المسجلة في تكاليف النقل والمعيشة، بهدف المحافظة عليهم وكذلك المحافظة على جودة الخدمة المقدمة من قبلنا. وكل ذلك كبَّد القطاع خسائر كبيرة عدا عن عجزه تحقيق الأرباح.

هل إنعكس إنفجار 4 آب والأضرار التي تسببها على القطاع الفندقي؟

في بيروت أدى إنفجار المرفأ إلى إقفال 2000 غرفة فندقية بالكامل في المنطقة التي تأثرت بالإنفجار وهي لم تعاود نشاطها حتى اليوم. ومعلوم أن العديد من الفناق موجود في محيط المرفأ. بالتالي توزعت الحجوزات والإشغال على ما تبقى من فنادق، وتم احتساب النسبة على الغرف الناشطة فقط. ولو احتسبنا عدد الضيوف مقارنة مع عدد الغرف كما كان الوضع قبل التفجير، لتبيّن أن النسبة متراجعة عن العام الماضي وليست متحسنة. وهي في الحقيقة متراجعة بنسبة 30 في المئة. ولذلك يمكن القول إننا اشتغلنا للبقاء وللحفاظ على الإسم لكن كنا كمن يلحس المبرد.

شريط طويل ومأساوي من الأزمات والقطاع السياحي جزء من شريان الوطن. كيف تفسّرون الأسباب؟

دعني أقول لك أمرًا. الأزمة في لبنان اليوم ليست إقتصادية مالية كما يعتقد البعض أو يحاول أن يصورها البعض الآخر. أزمتنا سياسية بالدرجة الأولى. فلو بادر المسؤولون قبل سنتين إلى اتخاذ ما وجب اتخاذه من إجراءات لما وصلنا إلى هنا. وثمّة من يقول إن ما حصل هو نتيجة تراكمات 30 سنة، لكن أنا أقول إن ما حصل في 30 شهرًا الماضية يوازي ضعفي ما حصل خلال السنوات الثلاثين المذكورة.

في زمن الحرب كانت الفنادق تتعرّض للقصف ومنها ما تم احتلاله، وكانت في كل مرّة تعيد الترميم والتشغيل أفضل مما كانت، في حين أنها اليوم غير قادرة على استرجاع هذه القدرة وتحقيق نهضة مماثلة لماذا؟

الأمر بسيط والسبب الأهم أنه في زمن الحرب لم تكن أموالنا محجوزة في المصارف كما هي اليوم. ولفترة طويلة خلال الحرب كان الدولار يساوي 3 ليرات، وهذه ميزة مهمة تشير إلى القوة الشرائية للعملة الوطنية. والأهم كانت البلاد مفتوحة والمال موجود، ولذلك تجد اليوم العديد ممن يترحمون على فترة الحرب.

كانت هناك وفادة سياحية كبيرة على رغم أن وضع لبنان المضطرب ليس بجديد، لماذا تراجعت بهذه الحدة اليوم؟

منذ العام 2002 خرب وضعنا بالوقت أن ممثلي ما يطلقون على أنفسهم الممانعة في لبنان يهاجمون دول الخليج. وتفاقمت المشكلة مع دخول «حزب الله» إلى سوريا. السائح الخليجي ليس عاديًا فهو الأكثر وفادةً والأطول فترة إقامة والأعلى إنفاقًا، أما الأهم والأهم أنه أكثر من سائح، هو مستثمر أيضًا ومستثمر كبير في العقارات والفنادق والمطاعم وما سوى ذلك. وعندما يمتنع عن المجيء فهذا ينعكس ليس على السياحة وحسب إنما على الإستثمار والمداخيل، وهذا ما حصل فعلاً. ولطالما حذرنا من قبل عندما كان البعض يعتبر أن الوضع بألف خير أطلقنا الصرخة وحذرنا من أن هذا السلوك سيوصلنا إلى الكارثة، وها نحن فيها اليوم. أنا تقدمت بتقرير إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير السياحة نهاية العام 2018 أنبّه فيه من أن مداخيلنا تراجعت 40 في المئة مقارنة مع ما كانت عليه في العام 2010.

إلى أي مدى أثرت الإضطرابات الأخيرة من إطلاق الصواريخ في الجنوب وأحداث الداخل المتنقلة على الحجوزات والحركة السياحية عمومًا؟

طبعا التأثير كان واضحًا، فهناك حجوزات ألغيت بعد توالي هذه الأحداث وخطورتها، وحجوزات كانت متوقعة لم تحصل. كما أن من كانت إقامتهم مستمرة ولم تنتهِ بعد، قطعوها وغادروا سريعًا خوفًا من أن يتطور التوتر على الحدود الجنوبية إلى حرب مع إسرائيل تؤدي إلى إقفال المطار. أضف إلى ذلك الخوف من توسّع الإشتباكات والإختلالات الأمنية في الداخل كما حصل في خلدة وعكار ومناطق لبنانية عدة… من يعرف لبنان الستينات والسبعينات ويرى لبنان اليوم… يبكي. ولا كلام آخر يفي الواقع حقه!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل