Site icon Lebanese Forces Official Website

بكَ ننتصر!

كتب الأب مارون عوده في “المسيرة” – العدد 1720

«بكَ ننتصر!»عبارة رافقت المسيحيّين منذ إرتداد الأمبراطور قسطنطين إلى المسيحيّة في بداية القرن الرابع الميلاديّ، وأصبحت شعارًا يُذّيل رسمَ الصليب، خاصةً لدى المسيحيّين المضطهَدين. زد على ذلك، أنّها صارت شعارًا مسيحيًّا يُحاكي رمزالصليب كون المصلوب عليه هو قوّة الله بحسب بولس الرسول. من هنا أضحت هذه العبارة رمزًا من رموز المسيحيّة اللبنانيّة والتي تختصر في طيّاتها معنى قوّة الله وقوّة كلمة الصليب الخلاصيّة، وذلك في إطارالتاريخ المسيحيّ النضاليّ.

ألهبت هذه العبارة إيمان المسيحيّين، وجذبت قلوب الكثيرين من شبّانهم، فأسلموها قلوبهم لتقودهم إلى حيث لا يجرؤ الآخرون؛ إجتازوا بها قساوة ليل الخوف وحدّة ظلامه، وانتقلوا معها ليسكنوا في سترِ العليّ ويبيتوا في ظلّ القدير. قادتهم إلى الإستشهاد بفرحٍ عظيم لأنّ أسماءهم كُتبت في سفر ملكوت السّماوات. لم يرفّ لهم جفنٌ أمام وباءٍ عن يمينهم أو غائلةٍ عن يسارهم، ففي قلوبهم ينبضُ الصليبُ قوّةً إلهيّة، وعلى قوّته توكّلوا وتحت جناحيه اعتصموا وتحصّنوا؛ لذا وَسَموا جباههم برسمه، وساروا بالحقّ إلى النصر؛ لم يبغوا سوى أن يكونوا بحسب الربّ يسوع المسيح المرفوع على الصليب: «حسب التلميذ أن يكون مثل معلّمه». لم يحفظوا من دروس التاريخ سوى أحداث تمام الساعة الثالثة من تلك الجمعة على الجلجلة، حين كانت الأرض تتزلزلُ والصخور تتصدّعُ والسماء ترتعدُ، والجميع يعفّرون وجوههم في التراب خوفًا من فقدانهم الأمل والرجاء بالنجاة والخلاص؛ كلّ هذا، وصليبُ الربّ بقيَ صامدًا منتصبًا لا يهتزّ، لأنّه قوّة الله بفضل من تجسّد ليحقّق مشيئة العليّ وهو متوكّل عليه؛ بالصليب انتصر على سلطان الموت وعلى الشرّير وحيله، فأصبح الصليب قوّة الله القادرة على دحر الشرّير وإجتياز فخاخه وأشراكه.

لم تغرب هذه المشهديّة عن عيون هؤلاء الشبان، فاستمدّوا منها جرأتهم وثبتوا عليها إرادتهم الصلبة؛ وعلّقوا قلوبهم بالمصلوب ربّهم ومسيحهم، حاملين صليبه رجاءهم الوحيد ليطأوا به الأسد ويدوسوا الأفعى والتنين، وخصوصًا خلال عبورهم الجلجلة عند تمام الساعة الثالثة. لقد تذكروا دائمًا أنّ الربّ يسوع حمل صليبه عوضًا عن كثرين رفضوا تحمّل وزر خطيئتهم ومسؤولياتهم، وأيقنوا جيدًا أنّ ربّهم مات على الصليب كي لا يموت مغلوب الأمرِ كفّارةً عن جشعِ الكثرين، وآمنوا أنّ صمود الصليب وسط هولِ الجلجلة أتى نتيجة مغفرة المصلوب لجهالة صالبيه ومسامحته لهم.علّمهم المصلوب أن يتحمّلوا المسؤوليّة عن كثيرين جعلوا من الوطن والعباد لقمةً سائغةً أمام أنياب الضباع الكاسرة، فغرسوا صليبه في قلوبهم أثناء المواجهة مع من خلّفوا الدمار والموت نتيجةً لأعمالهم، كي لا يجنّ فيهم الغضب ولا يولد في قلوبهم الحِقد، كما غرسوه كي يتذكروا دائمًا أن المسيح غفر لصالبيه حين أصبحت مبادرة الحـُكم والدينونة بين يديه.

«بكَ ننتصر!» دفعت هذه العبارة شباب لبنان إلى أن يذهبوا نحو كروم ربّ الحصاد حين فَقَد الجميع رجاءهم في وطنهم، وجعلتهم يضعون رجاءهم في ربّ الكرم، ويضربوا مناجلهم حاصدين ما زرعت أيدي وزنود أسلافهم من إيمانٍ بصليب الربّ يسوع وشهادةً له في هذه المنطقة من الشرق. جمعوا غلال تعب وعرق ودماء أجيالٍ وأجيالٍ من أهلهم وأترابهم، وحملوها إلى معصرة ربّ الحصاد ليعصروها مع خمرته المقدّسة ويشربوها معه من كأسِ قيامته انتصارًا ومجدًا. وهكذا كانوا يجدّدون إيمانهم بالصليب وقوّته عند بداية كلّ ربيعٍ، واضعين أيديهم على المحراث في كرم الربّ غير ناظرين خلفهم إلى خريف وشتاء عديميّ الإيمان، بل زارعين زرعهم وعيونهم شاخصةً إلى فجرِ الحصاد ومواسم الغلال الجديدة، ومتواعدين على اللقاء عند بيادر الربّ الّتي تمرّ بالجلجلة عند تمام الساعة الثالثة من يوم الجمعة؛ غير خائفين هولها ومن الإستشهاد، ذلك لأنّ ثقتهم كبيرة بآتين آخرين ليشاركوهم الحصاد أو ليحصدوا عنهم.

لا يختلف هذا التاريخ عن حاضرنا ولن يتغيّر في المستقبل، لأنّ طبيعة هذا الشعب ترتبط إرتباطًا وثيقًا بإيمانه بالله واستعداده الدائم لحمل صليبه، إنّه شعبُ الله، لا يتوكّل إلّا عليه وعلى قدراته الذاتيّة؛ إنّه شعبٌ عميقُ الإيمان وقويُّ الإرادة، لا يكترث للقدر ولما قد كُتب في كتابه، بل يطوّعه لإيمانه ويخضعه لإرادته كلّما أراد الحياة وكلّما شاء أن يزرع أرضَ لبنان. أصبحَ هذا التاريخُ إرثًا شعبيًّا تتناقله الأجيال وراثيًّا وحياتيًّا وثقافيًّا، لأنّ الأمّهات يلدن أولادًا تسري في عروقهم الحريّة مع أوّل إطلالة لهم، ويتدرجون ناهلين من تاريخ آبائهم وأجدادهم المسيحيّ النضاليّ، وصاقلين شخصيّتهم على الإيمان بقيامة الربّ يسوع وبقوّة صليبه، وبقلوبٍ لا ترتوي إلّا من خمرة كأس مجده المقدّسة.

نعيش هذا التاريخ اللبنانيّ اليوم مستندين إلى قوافل من شهداء لم يهابوا الجلجلة لأنّهم معمّدون بقيامة الربّ، لا ولم ترتجف قلوبهم عند تمام الساعة الثالثة لأنّ صليب الربّ مغروسٌ فيها، ولم يخافوا فائض قوّة الشرّير وسلاحه لأنّهم اتّكلوا على قوّة الله وبجناحيه اعتصموا. نتذكر اليوم أبطالاً ذهبوا إلى النار والموت غير هيّابين لأنّ مشيئة الله اقتضت أن يستشهدوا قبل موسم الحصاد حتى يشربوا كأسه رحيقًا جديدًا في ملكوته السّماويّ. كانوا آباءً وإخوةً ورفاقًا لنا فذهبوا تاركين لنا غلال مواسم من العزِّ والكرامةِ، بيادر تفيض بالخيراتٍ، عبروا إلى الضفة الأخرى من الزمن ليسكنوا في سلامٍ أبديٍّ حيث لا بكاء ولا وجع وحيث يستظلّون في أمان الله وعنايته. نشاهد صورهم ونقرأ أسماءهم فترتجف قلوبنا لأنّ علينا اللّحاق بهم إلى حصاد مواسمهم، وذلك عبر الجلجلة وعند تمام الساعة الثالثة، إنّه دَين علينا، إنّه تاريخنا المجيد، إنّه واجبنا اللبنانيّ، ونحن نؤمن بأنّ صليب المسيح هو قوّة الله، وقلوبنا تلهف دومًا إليه مردّدةً: «بكَ ننتصر!».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​

Exit mobile version