#adsense

الحكّام النازحون عن الوطن

حجم الخط

لقد ابتكرَ العقلُ تمثيلَ الأفكارِ بإشاراتٍ أصبحت مظهراً للنشاط الوظيفيِّ في الدماغ، ما يؤكّد على حضورِ الوعيِ بالنسبةِ لذاتِهِ، وبالنسبةِ للعالَم. والإشاراتُ سلوكٌ، وحدَه، يستطيعُ أن يبرهنَ على ما بين الفكرِ والهمجيّةِ من هُوَّة. والخطيرُ المُؤذي ألّا يرغبَ العقلُ المُتَوَعِّكُ في أن يتحوَّلَ من حالٍ الى حال.

واستناداً، لقد تحكَّمَت مخالبُ التَوَعُّرِ، والجَهلِ الكارثيّ، في الموهوبين من أشخاصِ السلّطةِ، والسياسة، عندَنا، أولئكَ الذين لا ننكرُ عليهم حتميّةَ دخولِهم تاريخ الخزيِ، والمرضِ الذّهانيّ، والتخلُّفِ، بدونِ وساطةٍ. وكان حريّاً بهم، أن يخجلوا، لحيثيّتِهم الذّهنيّةِ المعطَّلة، ولفشلِهم الدِّماغيّ، ولِتَنَصُّلِ العقلِ منهم، وسَحبِهِ ما تبقّى من رصيدِهِ في جماجمِهم، وإغلاقِ نوافذِ قابليّتِهِ عنهم. لكنّ مَنْ استسلموا للبربريّة، وامتهنوا جمودَ الفكر، وشلَّ الوعي، أدمنوا المجاهرةَ بالجهل، والإمعانَ بالضّلالِ عن الحقيقة، وأولَموا في نفوسِهم للخداعِ، والتَوَهّم، وزاولوا التّضليلَ، وسحقوا كرامةَ العقل… هؤلاءِ الجَهَلَةُ، أُمِّنوا على الكثير، فاستباحوه وغَدروا به، وانتهجوا ثقافةَ الهدمِ، وزجّوا بالنّاسِ في أَتونِ الخوفِ والموت.

والسؤال: هل باستطاعةِ هؤلاءِ النّاشِطين الى قتلِ الوطن، المَعنيّينَ في اقترافِ موبقاتٍ أودَت بآمالِ النّاس، والمُعَطِّلينَ قيامَ الدولةِ، أن يرتدّوا الى ما يُرشِدُ إليهِ الضّميرُ الوطنيّ؟ لا. فما يتربّى عليه الذهنُ، هو المسؤولُ عن القيادةِ والتّوجيه، وهو الذي يسوقُ الى دُربَةٍ تُكسِبُ صاحبَها ما خَطَّطَ الذّهنُ له. من هنا، إذا كان التَّرابطُ العضويُّ بين الحكّامِ المسؤولين، وبين عملِ العقلِ التَّنويريِّ، مفقوداً، مُعَطَّلاً، مُقَوَّضاً، فمن الطبيعيِّ أن يتعرّى هؤلاءِ من وقارِ العقلِ، ومن السّلوكِ الإدراكيِّ السّليم، ليلعبوا خارجَ حَلَبَةِ التَحَصُّنِ الوطنيّ، دَوراً هَجيناً، هو تسليمُ مفاتيحِ سلامةِ الناس، وجسدِ البلدِ المُرتَعِش، لطقوسيّةٍ بائدةٍ، غريزيّةٍ، قامِعَةٍ، مُغرِضَة، تُجَذِّرُ الموبوءَ، والفاسدَ، وتنسفُ مقوّماتِ الدّولةِ، والكيان، والهويّة.

إنّ عصرَ الشَّوكِ الآخِذَ بمنهجيّةِ القضاءِ على الفكرةِ اللبنانيّة، وعلى أُطُرِها الانفتاحيّة، يُمعِنُ في ترجيحِ كفّةِ الدمّ، والغربة، وفي قَصْمِ ظهرِ الوطنِ باغتيالِ ملامحِ السيادةِ، والكرامةِ، والحريّة، ويُفسحُ لتغييرٍ يضعُ لبنانَ في حيثيّةٍ معزولة. هذا ليس تصويراً دراميّاً كَيفيّاً لواقعٍ مُتَخَيَّل، بِقَدرِ ما هو واقِعٌ ملموسٌ من دونِ تَكَلُّف، وهو واقعٌ عقيمٌ، شاقٌ، يمكنُ وصفُ نتائجِه، بعد قراءةٍ موثَّقَة، بالكارثيّةِ غيرِ المسبوقة، لأنها تطالُ الوجودَ، والمصيرَ، وذلكَ بإمساكِ البلدِ بِيَدٍ حديديّةٍ تُمعِنُ ظُلماً، وقَهراً، وقسوةً، ودمويّةً بالغة، وقَمعاً تعسّفياً، وإعداماً لكلِّ مَن تُسَوِّلُ له نفسُه المعارضةَ أو النّقدَ أو التَّمايُز.

إنّ ممارساتِ مَنْ في السلطة، طعنَتِ الدستور في الصّميم، فهي لجأت الى الاعتقالِ العشوائيّ، والاعتداءِ الوحشيّ، والتصدّي للمتظاهرين باستخدامِ القوة المُفرطة، والى القسوةِ في التّعاملِ مع العناصرِ النّقابيّةِ، والأكاديميّة، والإعلاميّة، بسبب التّضاربِ في الآراءِ السياسية، وكذلك، الى احتكارِ المواردِ المعيشيّة، والمقوّماتِ الحياتيّة المعروفة، وإنشاءِ إمبراطوريّاتٍ ماليّةٍ فيما أكثرُ من ثُلثَي الشعبِ يعيشُ تحت خطِّ الفقر. كما دأَبَ المتسلِّطون على كَمِّ الأقلام الحرّةِ، في انتهاكٍ موصوفٍ للحقِّ في التَّعبير. إنّ هذا الأداءَ المُلتَويَ المتوغِّلَ في الديكتاتوريّةِ البغيضة، والذي يذكِّرُ ببصماتِ الإنتداباتِ الأخيرة التي زَجَّت الوطنَ في نَفَقِ التخلّفِ والانحطاط، يرفعُ مَنسوبَ الإحباطِ، والخشيةِ من فَرضِ استعمارٍ جديدٍ مَشبوهةٍ نواياه، أقلّها فتحُ بابِ جهنّم، وقد فتَحَهُ أولياؤُنا المعصومون، فعلاً.

إنّ التّلاقحَ بين الفسادِ وبين الحاكمين، في هذه الحقبةِ المأزومة، يعني تغليبَ طابعِ الجنايةِ على ملفِّ الوطن، وتوسيعَ الخُروقِ بينَ المَفطورينَ على الولاءِ، وبينَ الموبوئينَ المُتَكَهِّفينَ في قوالبِ النَّفعيّةِ، وسَرَطانيّةِ التّبعيّة، ما يُسقِطُ، حُكماً، التطلُّعَ باتّجاهٍ واحد، وطنيّ، وهذا هاجسٌ قاتِلٌ لا تُزيلُهُ التضرّعات، فجوازُ المرورِ الى العافيةِ الوطنيّةِ يسعى المتلاعِبونَ بالمصائرِ أن يَطمروهُ بِوَحلِهم، ولن ينجحوا إنْ رفَضنا كتابةَ الرسائلِ من المَنفى، وأَبَينا أن يكسرَ الذلُّ جباهَنا.

إنّ الانتخاباتِ المقبلة والموعودة، ينبغي أن تحقِّقَ للمُكَوِّنِ الوطنيِّ حيثيّةً نيابيّةً مميّزة، وهذا أمرٌ مُلزِمٌ لا يمكنُ جعلُهُ واقِعاً إذا استمرَّ الناسُ في غربةٍ عمّا يجري، وفي طلاقٍ مع فَهمٍ واعٍ لهاجسِ إعادةِ تكوينِ هذه السلطةِ نفسِها، وكأنّ، في ذلك، مباركةً للمنحى الانحداريِّ الذي يقودُ الوطنَ الى الاضمحلال، وتسليمَ صكٍّ للناشِطينَ في الفسادِ، ووَهبَ جائزةٍ لأصحابِ النّواقصِ والخطايا، مِمَّن أقاموا حَفلَ تأبينٍ للوطن، ولوّثوهُ بصواعقِ الموت.

لن يغدوَ حلمُنا خيمةً، إنْ بادَرنا الى تَقويضِ تلكَ الشَّبكةِ العنكبوتيّةِ التي ينسجُها الحاكمون، ولكن، ليسَ بِرَفعِ لافتة، أو شِعارٍ نَظَريّ، بل بتنفيذِ مواجهةٍ مدروسة، هادفة، تحمِّلُنا مسؤوليةَ الإصرارِ على إنجاحِ تجربةٍ وطنيّةٍ رائدةٍ، قوامُها قاعدةٌ من القوى الشعبيّةِ والسياسيّةِ المُتقاربةِ في تبنّي إستراتيجيا وطنيّةٍ واحدة، تسعى الى تشكيلِ عاملِ نجاحٍ موثوقٍ يبدأ بوَضعِ مخطَّطٍ ناضج يبلورُ خيارَ المواجهةِ، سَعياً الى التّغييرِ المنشود، والانخراطِ الجدّي بتنفيذِهِ لتحقيقِ النّقلةِ النوعيّةِ التي نريدُها إصلاحاً لمكوّناتِ الثقافةِ الوطنيّةِ بالذات.

إنّ مسيرةَ التخلّصِ من المُنحازين عن الوطن، ليسَت حِبراً على ورق، فهي تبدأُ بأن يحتضنَ المواطنُون شعوراً صافياً تُجاهَ أرضِهِم، ومصيرِهم، ومستقبلِ أجيالِهم، يترجمُونه في صناديقِ الاقتراع، وبهذا، وحدَه، يُنقَلُ الوطنُ الى حالةِ القيامةِ المَأمولة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل