“المركزي” عاجز عن دعم “صيرفة” طويلاً

يطرح رفع الدعم عن المحروقات، ولاحقاً كما يرجَّح عن سائر السلع القليلة التي لا تزال مدعومة جزئياً، تحديات أكيدة وأسئلة كثيرة حول الانعكاسات المترتبة على مستوى الأزمة الاقتصادية، والمالية، والنقدية، والمعيشية. ومن بينها، مصير منصة صيرفة التي أنشأها مصرف لبنان لإجراء عمليات الصرافة بين المصارف وشركات الصيرفة وبين التجار والمستوردين، مراهناً على أن تشكِّل عاملاً مساعداً على خفض سعر الدولار في السوق السوداء واستقراره عند حدود معينة مضبوطة.

ويثير رفع الدعم أسئلة مشروعة حول الاحتياطي الفعلي لمصرف لبنان من العملات الأجنبية، فهل نجح رهانه على ضوء تجربة المنصة خلال الفترة الماضية؟ وهل أثبتت التجربة نجاحها وبالتالي استمراريتها، أم أنها لم تكن على قدر الآمال المعقودة عليها وفشلت وباتت استمراريتها موضع تساؤل جدي؟

لا تنفي مصادر مصرفية، “عدم وجود ثقة لدى المواطنين بالأرقام التي يعلنها مصرف لبنان حول حجم الاحتياطي النقدي الفعلي الخاص به، فضلاً عن القطاع المصرفي عموماً. ولا ينفع إنكار هذا الواقع، بل ربما يدفع إلى مزيد من انهيار الثقة”، لكنها تلفت إلى أن “(القلة تولِّد النقار) بحسب المثل اللبناني الشائع، ولا يعني ذلك أن كل التشكيك صحيح، أو أن المعنيين على المستوى المالي لا يقومون بمحاولات لتصحيح الوضع واستعادة الثقة”.

وتضيف، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “موجودات مصرف لبنان من الاحتياطي الإلزامي للمصارف ما بين 13 و14 مليار دولار، لكن بصراحة لا أحد يعرف الموجودات النقدية الحقيقية للبنك المركزي بالعملات الأجنبية، على الرغم من ميزانياته التي تُنشر دورياً وتصاريح الحاكم”.

وتشير، إلى أن “الأرقام تتضارب بين فترة وأخرى، وارتفعت وانخفضت في الأشهر الماضية بدرجات متفاوتة، من دون توضيح المسألة للمواطنين بطريقة مبسَّطة وواضحة. فكنا نسمع مثلاً عن نفاد أموال الاحتياطي، أو أنه لم يتبق سوى 800 مليون دولار، لنكتشف استمرار الدعم من دون توضيح مصدر الأموال، إلى أن وصلنا في الأسابيع الأخيرة إلى رفض الحاكم استمرار دعم المحروقات لأن ما تبقى لديه من احتياطي قابل للاستخدام لا يتعدى 200 مليون دولار، كما تردد”، معتبرة أن “الغموض والضبابية والتناقض عوامل ترخي مزيداً من عدم الثقة”.

وتعتبر المصادر ذاتها، أن “مصير منصة صيرفة مجهول على المدى الطويل. فأمس تم عملياً رفع الدعم عن البنزين والغاز بعد المازوت، وجدول الأسعار الذي أصدرته وزارة الطاقة يعني أن التسعير على دولار 14.000 ليرة لبنانية. بالتالي اقتربنا إلى سعر صرف الدولار في السوق الذي قارب أمس سقف الـ16.000 ل.ل”، معربة عن اعتقادها أن “بواخر المحروقات المقبلة ستكون كلها على سعر السوق”.

وتوضح، أن “ما يجعل استمرار منصة صيرفة بالطريقة التي يتم التعامل عبرها حالياً أمراً غير مؤكد، هو أن معظم العمليات من خلالها تتم في اتجاه واحد، أي شراء الدولار عبر المنصة لا عرضه للبيع”، مضيفة أنه “تبعاً لهذا الواقع فإن المصرف المركزي هو من يؤمِّن القسم الأكبر من الدولارات للمنصة، إذ إن من يطلب الدولار يناسبه شراءه عبرها بأقل من سعر السوق لكنه لن يبيعه. بالتالي رهان مصرف لبنان على تحقيق توازن بين عمليات العرض والطلب للدولار عبر المنصة، كما يتبيَّن حتى الآن، مفقود”.

وتعرب المصادر عن اعتقادها، بأن “مصرف لبنان ربما راهن في البداية على أن تمتص منصة صيرفة كتلة نقدية كبيرة من الليرة، كي لا تُستخدم في شراء الدولار من السوق الموازية، حتى لو اضطر إلى دعم الطلب على دولار صيرفة جزئياً، باعتبار أنه يمكنه تحمُّل نسبة التفاوت بين سعر المنصة وسعر السوق لفترة معينة، إذا كان ذلك سيساهم في خفض سعر الدولار وتحقيق مقدار معيَّن من الاستقرار في سوق الصرف، على أمل أن يصبح هناك تقارب بين السعرين بما يساعد على توحيد سعر الصرف لاحقاً”.

وتشدد المصادر المصرفية، على أن “كل الحلول الجزئية التقنية غير مضمونة النتائج، فمعالجة الأزمة المالية والنقدية العميقة التي نمر بها تتطلب حلاً شاملاً متكاملاً جذرياً بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي بات معروفاً للجميع وملَّ الناس من تكراره. علماً أن الحلول التقنية الموضعية مثل منصة صيرفة وغيرها قد تكون جزءاً من الحل، لكنها حتماً لا يمكن الرهان عليها وحدها”.

وبرأيها، أنه انطلاقاً من ذلك، “ليس واضحاً إلى أي مدى يمكن لمصرف لبنان التدخل وضخ الدولار لتحقيق توازن معين عبر منصة صيرفة، وبالتالي قد نسمع في الفترة المقبلة أسئلة عن الجدوى من استمرارها، ولم لا يُترك الأمر للتعامل بالدولار في سوق الصرف بحرية ولتفرز السوق الأسعار الحقيقية؟”.

وتعتبر، أن “مصرف لبنان لا يمكنه الاستمرار بدعم المنصة طويلاً طالما بقيت معظم عملياتها باتجاه واحد، لأن ذلك سيؤدي إلى استنزاف دولاراته المتبقية نتيجة تدخله للحفاظ على شيء من التوازن بين عمليات العرض والطلب عبرها، وبهامش قريب من سوق الصرف. والدليل أن الدولار ارتفع أمس في السوق السوداء، مع شيوع رفع تسعير البنزين والغاز على سعر 14.000 ل.ل، من نحو 14.500 ل.ل ليتخطى الـ16.000 ل.ل. فقد يتحمل البنك المركزي هذا الفارق لفترة قصيرة، لكن ماذا لو استمر ارتفاع الدولار مع رفع الدعم؟ لن يتمكن من الاستمرار في تغطية صيرفة”.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانبة

خبر عاجل