.jpg)
كتبت جوزفين حبشي في “المسيرة” – العدد 1720
في أحياء مصر الشعبية، يطلقون عليها إسم «سيما». في الأوساط الشعبيّة الطرابلسيّة، يسمونها «سيلَما»… إنها السينما التي احتلّت مكانةً مهمّة في حياة عاصمة الشمال، إمتدّت من ثلاثينيّات القرن العشرين حتى نهايته… سَلُمت يد وسَلُم شغف عاشق السينما، هادي زكاك
على هذه الـ»سيلما» التي سنشاهدها قراءة، وتروي سيرة صعودها وازدهارها وتشابكها مع حياة مدينة عربيّة اختبرت كل أنواع الأفلام في حياتها، ثمّ احتضار هذه السيلما الطويل قبل وفاتها. مع هادي زكاك سنجول في تاريخ مدينة عريقة تشهد على سيرة شبيهة بـ»سيلًما» رغم انتفاضها ورفضها للموت.
هادي زكاك، مؤلف كتاب «العرض الأخير.. سيرة سيلَما طرابلس» هومخرج لبناني وأستاذ – باحث في معهد السينما IESAV. كما أنه مولود في بيروت قبل بدء الحرب اللبنانية بعام واحد، ومولود من جديد مع كل فيلم وثائقي وفيلم قصير كتبه وأخرجه ليحافظ عبره على الذاكرة. يقول زكاك: «اهتمّيتُ منذ صغري بالتاريخ وبالمحافظة على الذاكرة وهذا الأمر جعلني أختار الفيلم الوثائقي منذ أكثر من عشرين سنة كوسيلة إختبار وتنقيب وسلاح لمحاربة النسيان والموت. لقد عشت الحرب الأهليّة اللبنانيّة وشهدت نهايتها في مطلع التسعينيّات وكيف تحوّلت فترة «السلام» إلى مرحلة أكثر تدميراً مع إزالة ما عجزت الحرب عن تدميره. فاختفت الكثير من الأماكن المتعلّقة بذاكرتنا الجماعيّة وترافق الإعمار غالباً مع التدمير وفقدان الذاكرة وضياع الهويّة». ويتابع هادي: «لم يأتِ إهتمامي بالماضي بهدف تمجيده والبكاء على الأطلال، بل لبناء إستمراريّة بين الأزمنة تحدّد الحاضر في بلدٍ لا يتوقّف فيه التاريخ من أن يكرّر نفسه مؤدّياً إلى الكوارث».
هادي زكاك الذي شكّلت له السينما نقطة الإنطلاق، بدأ بتاريخ السينما في لبنان من خلال تأليف كتاب صدر باللغة الفرنسية عام 1997 بعنوان» السينما اللبنانيّة، مسار سينما نحو المجهول (1929-1996)» . كما قدّم مجموعة أفلام وثائقية مثل «يا عمري» (2017)، و»كمال جنبلاط، الشاهد والشهادة» (2015)، و»مارسيدس» (2011)، و»درس في التاريخ» (2009). أيضًا تابع التحوّلات التي شهدَتها بيروت وأنجز أفلاماً عنها وعن المجتمعات الدينيّة وسيطرة الطائفيّة.
من خلال «العرض الأخير»، يوقظ هادي زكاك الذاكرة الطرابلسية هذه المرة، وينفض عنها غبار النسيان. ها هو يحملنا في رحلة الى زمن سينمائي جميل، على متن خطوط صفحات كتاب مشهدي بامتياز، سنقرأه وكأننا نشاهده في واحدة من 40 صالة «سيلما» سيمر عليها زكاك في طرابس. سنقرأه مشاهدة، سنواكب تاريخ طرابلس المعاصر قبل أن تسلّم روحها مخلّفة إرثاً كبيراً من الصور والأصوات. سنتخيّل الذكريات التي دوّنها والصور التي التقطها بومضة عين وخفقة قلب مع فريقه باستمتاع كلي، من دون أن نتلهّى بالبوب كورن أو «البزر» كما يطلب منا المؤلف في خاتمة مقدمة كتابه: «أترككم مع إبنة طرابلس وأتمنّى لكم مشاهدة ممتعة، يتخلّلها تقديم مجموعة كبيرة من الأفلام مع العناوين بلغّتها الأصليّة وبالعربيّة والإنكليزيّة وأطلب منكم تفادي تناول «البزر» ومتابعة الأحداث حتّى النهاية. فلينطلق العرض!»
إنطلق العرض فعلياعندما ذهب زكاك لاكتشاف صالات السينما المقفلة أو ما تبقّى منها في طرابلس برفقة الصحافيّة الألمانيّة – الفرنسيّة ناتالي روزا بوخر سنة 2014. «يومها أحسست بشعورٍ اختبرته قبل أكثر من عشرين عامًا عندما اكتشفت صالات السينما القديمة في وسط بيروت قبل إزالتها مع مشروع إعادة إعمار المدينة. تألمت من منطلق تاريخي لأن إزالة معابد السينما كانت تمحي تاريخ وصول السينما إلى بلادنا وازدهارها، وكل هذا الإرث العريق من هندسة وخصوصيّة للمكان الذي ينحصر اليوم في المولات التجاريّة.
لم تمثّل هذه الخصوصيّة شيئاً للقيّمين على مشاريع إعادة الإعمار أو الهدم فكان مصير صالات السينما شبيهاً بمصير البيوت القديمة والمساحات الخضراء التي تقلّصت لتحلّ مكانها المساحات الباطونيّة البشعة التي تفتقر للهويّة. في هذا الإطار، بدت طرابلس وكأنّها مجمّدة في الوقت بسبب الأحداث التي استمرّت بزعزعة إستقرارها ولوّثت صورتها وزادت من حال الفقر التي تضاعفت فيها بشكلٍ دراماتيكي. لقد لعبت بيروت غالباً دور البطولة في معظم الأفلام اللبنانيّة ولم تحظَ المدن الأخرى بهذا الإهتمام. فظلّت طرابلس، المدينة الثانية في لبنان وكأنّها تختبئ عن الأنظار مع تاريخها الغنيّ».
من هنا، شكّل اكتشاف صالات السينما في طرابلس رحلة في الزمن بالنسبة لهادي زكاك وكأنّ الأسماء التي عرفتها بيروت مثل الأوبرا والريفولي والروكسي والدنيا وأمبير كان لها شقيقات ما زال أثرها موجوداً في عاصمة الشمال.
«مع تدمير سينما ريفولي سنة 2016، أصبحت الحاجة ملحّة للإنتقال إلى مشروع سرعان ما أصبح مزدوجاً وبحاجة لوقت طويل لكي يضمّ كتاباً وفيلماً وثائقيًّا بهدف تسجيل الذاكرة الجماعيّة والشفهيّة، ونقل علاقة أبناء وبنات طرابلس بالسينما كمكان وكثقافة اجتماعيّة وسياسيّة».
بعد الزيارة الأولى الإستكشافيّة سنة 2014، إنطلقت مرحلة البحث الفعلي إبتداءً من كانون الثاني 2017، إثر الحصول على منحة للبحث من قبل الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق). تكثّفت زيارات زكاك مع ناتالي روزا بوخر التي تعشق طرابلس وسبق أن رصدت العديد من الصالات السينمائيّة وجمعت المعلومات عنها في مقال صحفيّ. بحثا معًا عن الأماكن وكيفيّة الدخول إليها والقيام بالمقابلات المتنوّعة والبحث عن صور الأفلام التي عُرضت بين الخمسينيّات ونهاية القرن العشرين، مع إجازة عرضها من الرقابة بالإضافة إلى بحث في الأرشيفات الشخصيّة والعامّة. كما ترافقت هذه المرحلة مع عمليّة تصوير أوّلية أثبتت فعاليّتها بسبب اختفاء بعض الأماكن أو تحوّلها، فالصورة التي تأخذها اليوم قد تصبح سريعاً صورة أرشيف. أيضًا شكّل سكّان المدينة مجموعة من «الحكواتيين» يتذكّرون مرحلة صعود وازدهار وسقوط «السيلما» باللهجة الطرابلسيّة.
مع مطلع سنة 2018، إنتهت مرحلة أولى من البحث لتبدأ مرحلة ثانية سيمتزج خلالها البحث الميداني المكثّف والتصوير برقمنة الأرشيف ومتابعة إجراء المقابلات، وانضمّت إلى فريق العمل كل من الطالبتين ماغالي عون وإفلين حليس. في بيروت، تمّ إجراء المقابلات مع الطرابلسيين المقيمين في العاصمة بموازاة عمل تقني كبير لرقمنة صور الأفلام والمقالات الصحفيّة وتنظيم الأرشيف المتعدّد المصادر.
مع حلول ربيع 2018، إنتقل هادي وفريقه إلى الشمال، وبموازاة إستكشاف الأماكن وتسجيل الشهادات وتوطيد العلاقات الإنسانيّة، تمت زيارة مكتب جريدة «الإنشاء» للإطلاع على الأرشيف القيّم لهذه الجريدة الطرابلسيّة العريقة. وقد تحوّل مكتب «الإنشاء» مركزاً للتنقيب عن تاريخ المدينة والبحث عن الأخبار السينمائيّة لفترة ستّة شهور.
في العام 2019، خفّ العمل الميداني لتبدأ مسيرة طويلة مع تفريغ وتنظيم جميع المواد التي تمّ جمعها خلال سنوات ومزجها مع أرشيف زكاك الشخصي قبل الإنطلاق بمرحلة الكتابة إبتداءً من الصيف. في 17 تشرين الأوّل، إندلعت الإنتفاضة الشعبيّة ولُقّبت طرابلس بعروس الثورة. ويتابع هادي زكاك قائلا: «ثمّ جاء عام 2020 ليضيف جائحة فيروس كورونا إلى كلّ المشاكل التي كنّا نواجهها في حياتنا اليوميّة وليضعنا في عزلة. كانت العزلة جيّدة للكتابة ولكنّ تدهور وضع البلاد المستمرّ وفساد الطبقة السياسيّة فشلها وصولاً إلى زلزال إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020… كل هذا الإنزلاق جعل مشروع الحياة في لبنان تحدّياً يوميّا.
يتساءل زكاك: هل تنفع بعد الكتابة؟ هل ينفع التصوير؟ هل أتابع مشروعي وأنتقل بعدها لإنجاز فيلم وثائقي يختتم مشواري مع «سيلَما»؟ مع إزدياد الإختناق العام وسيطرة مافيا السلطة وعدم خجلها من تحمّل أيّ مسؤولية وانتشار الطاعون الكوروني، تحوّلت كتابة سيرة «سيلَما» إلى أوكسيجين في زمن انقطاعه وإلى محاولة صمود وحياة.
عبر هذه الكتابة، سافر زكاك في الزمن، لم يجد أن التاريخ يختلف في مراحل عدّة عن الأحداث التي نعيشها اليوم، وضع المعلومات، حاول التدقيق بها، أخطأ، صحّح، تخيّل وبالطبع لم ينجو من إلتباسات الذاكرة الشفهيّة. حاول تكوين شجرة عائلة «سيلَما» وإعادة إحياء مسار صالات وسط المدينة وشوارعها الداخليّة وأحيائها الشعبيّة والميناء. واكب تحوّلات طرابلس ودخولها في الحداثة والتفاعل بين تاريخها والأفلام المعروضة وكأنّ تاريخ السينما والمدينة يلتقيان في محطّات عديدة.
عاد إلى المدرسة والمنزل والحيّ والمعبد. حاول أن يكون مشاهداً يعيش جميع الطقوس، يحلم ويخاف ويحب. إلتهم الأفلام فعاد بدوره صغيراً يقع في حبّ السينما منذ المراهقة لتصبح مرادفة لحياته.
من يشكر؟ «هل يمكن أن أبدأ بشكر المدينة؟ أشكرها أنّها قبلت أن تشاركني ذكرياتها وتكشف لي عن البعض من كنوزها التي غرقت في بحر من النسيان.
هل يمكن لزكاك بناء علاقات صداقة في عمر متقدّم بعيداً عن المدرسة والجامعة والعمل؟
نعم لقد بنيت صداقات جديدة في طرابلس وشعرت بها بالأخص كلّما كنت أرافق مايز الأدهمي وجان رطل (جريدة «الإنشاء») في الشوارع الصغيرة، أستمع إليهما، أتوقّف معهما لقراءة أوراق النعوة التي تنتشر على جدران المدينة، لننتقل بعدها إلى لقاء شهيّ حول المائدة الطرابلسيّة. أطرح عليهما الأسئلة وأراقبهما يسيران في شوارع هرمت وهي تنتظر الوعود الرنّانة.
أخيرا وليس آخرا، يتركنا هادي زكاك مع «سيلَما» التي ستخبرنا عن سيرة المدينة في القرن العشرين وصولاً إلى الحاضر. سيرة ستتضمن في 11 فصل، شجرة العائلة (الحكواتي وخيال الظل وصندوق الفرجة…) والجيل المؤسس (سينمات البروكه وأمبير وروكسي ودنيا وركس وأوبرا…) ونجمات الخمسينات (سينمات ريفولي وأمبير وبالاس وأوديون ورومانس ومتروبول وشهرزاد والكابيتول وكولورادو) ونجمات الأحياء (سينمات ريّو وليدو وسميراميس وماجيستيك والنجمة والكواكب والشرق والقاهرة والبيكاديلي وستاركو وديانا) ونجمات الميناء (سينمات العلم وهوليوود وكليوباترا وراديو وسلوى ورابحة وفيكتوريا) ومدرسة السينما وطقوس وعادات (سيلما في العيد وجمهور سيلما وصالون أو بلكون؟ بزر أو فلافل؟ ..) أما الفصل الثامن فيروي فيلم طرابلسي طويل، وصولا الى سينما الحرب في الفصل التاسع، والسينما بين الحياة والموت في الفصل العاشر، لينتهي الفصل الأخير مع مصائر كل ما شكل تلك الـ»سيلما».
تتساءلون ربما كيف استقبل المجتمع الطرابلسي المحافظ علاقات الغرام والقبلات على الشاشة في ذلك الزمن؟ وكيف تحولت نجمة الكتاب «سيلما» الملجأ الأجمل للهرب من فظائع الحرب؟ وما هي الأفلام التي كانت تُعرض يومها ولماذا سمحت الرقابة بمشاهد ساخنة في ظل الأوضاع السياسية المحمومة؟ كل هذه التساؤلات وغيرها يجيبنا عليها هذا الكتاب الذي يثبت أن طرابلس ليست فيلمًا دمويًا راعبًا مأساويًا. طرابلس ليست فيلمًا من بطولة التطرف والموت والحرمان كما يحلو للبعض تصنيفها أو تصويرها. طرابلس هي عروس الثورة، والعاصمة الثانية للبنان. إنها التاريخ الثقافي والفني والإجتماعي والإنساني الواقعي والحقيقي، وليست مجرد فيلم… «سيلما».
الكتاب متعة حقيقية لكل عشاق السينما والتاريخ، ومتوافر حاليًا في مكتبة دار الفرات، وسيتم إطلاقه من طرابلس في شهر تشرين من خلال مهرجان طرابلس للأفلام، في حال سمحت الظروف. كما أن توسيع التوزيع على المكتبات رهن بدوره بالظروف اللبنانية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
