تصحيح الرواتب والأجور… حقٌ دونه كارثة

يبدو أن مسألة تصحيح الرواتب والأجور موضوعة بجدية على جدول أعمال الحكومة، وفقاً لما صرَّح به وزير العمل مصطفى بيرم، بأنه يمكن أن يكون هناك سلفة غلاء معيشي للموظف العام والأسلاك الأمنية والعسكرية، لكن لا تدخل في صلب الراتب، كما نحاول العمل بشكل سريع لتحسين رواتب القطاع الخاص، لافتاً إلى أن باكورة أعماله في الوزارة كانت إطلاق عمل لجنة المؤشر التي تضم أطراف الانتاج الثلاثة، الحكومة وأرباب العمل والعمال، للنظر بمعالجة رواتب وأجور العاملين في القطاع الخاص التي توقفت اجتماعاتها منذ العام 2014.

ولا شك أنه مع انهيار الليرة اللبنانية تجاه العملات الأجنبية، باتت قيمة الرواتب والأجور، التي بقيت على حالها بغالبيتها الساحقة، لا تساوي شيئاً، علماً أن أكثر من 80% من الموظفين يتقاضون رواتبهم بالليرة. وتصنيف شبكة بلومبرغ لبنان في خانة أعلى معدل عالمي على مستوى التضخم السنوي، متجاوزاً زمبابواي وفنزويلا، وأن أكثر من 75% من السكان باتوا فقراء، يصب في هذا السياق. لكن هل يكون الحل لاستعادة القدرة الشرائية برفع الرواتب والأجور، الذي سيؤدي حكماً إلى ارتفاع معدلات التضخم أكثر إلى مستويات دراماتيكية؟

الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، يشدد، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، على أن “تصحيح الأجور هو مطلب محق، فالقدرة الشرائية للبنانيين تآكلت بنسبة 92%، أي أن الـ100 ليرة لبنانية باتت تساوي عملياً 8 ليرات فقط. وعلى سبيل المثال، الموظف الذي كان يتقاضى مليوني ليرة بات معاشه الفعلي يساوي 160.000 ل.ل”.

لكن شمس الدين يستطرد قائلاً، إنه “على الرغم من هذا الواقع المأسوي على الموظفين والعمال، فإن تصحيح الأجور بنسبة تآكل القدرة الشرائية أمر صعب ومستحيل، لأن القطاع الخاص يُفلس في هذه الحالة، فالشركات والمؤسسات إما مقفلة أو تنازع ولا يمكنها منح زيادات على الأجور والمعاشات الشهرية”.

ويلفت، إلى أن “الدولة أيضاً عاجزة عن ذلك. فكلفة الرواتب الشهرية للعاملين والمتقاعدين في القطاع العام تبلغ 12.000 مليار ليرة، أي ما يمثِّل 90% تقريباً من دخل الدولة. بالتالي، أي زيادة على الرواتب والأجور تعني حكماً زيادة على الضرائب والرسوم، التي لا أحد يتحمَّلها في ظل الوضع المعيشي الحالي”.

ومع إعادة تأكيده، على أن “تصحيح الأجور والرواتب مطلب محق للعمال والموظفين”، يشير شمس الدين إلى أن “دونه عقبات، في القطاعين العام والخاص”. ويرى أنه “لذلك، يجب التفكير بتوفير خدمات وبدائل أخرى تساهم في تخفيف الضغط على الدخل”.

ويوضح، أنه “في حال وفَّرَت الدولة النقل المشترك في مختلف المناطق وأمَّنت الكهرباء خلال شهرين أو ثلاثة، تكون وكأنها تعطي العامل والموظف 3 ملايين ليرة زيادة على معاشه الشهري، إذ تخفِّف عنه فاتورة البنزين واشتراك المولدات”.

وينبِّه الباحث في “الدولية للمعلومات”، إلى أن “أسهل شيء زيادة المعاشات، لكن بذلك تتضخم الرواتب والتعويضات ونصبح إزاء كارثة كبيرة. ونحن أساساً معنيون اليوم بإيجاد الحلول المناسبة لناحية المحافظة على تعويضات الموظفين والعمال في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التي تآكلت”.

ويشرح، أن “تعويض الموظف الذي يبلغ 100 مليون ليرة مثلاً، كان في السابق يساوي نحو 65.000 دولار أميركي، بينما اليوم وإذا احتسبنا الدولار على سعر 16.000 ل.ل بالكاد بات يساوي 6.000 دولار أميركي، وكلّما ارتفع سعر الصرف كلّما تراجعت قيمة التعويض الفعلية المقرَّشة بالدولار”.

ويضيف، “لنفرض أننا أعطينا زيادة على الأجور اليوم وأقفلت الشركات والمؤسسات، وارتفعت نسبة التضخم، وازدادت أعداد العاطلين عن العمل وتصاعدت معدلات البطالة من 35% تقريباً اليوم إلى 40% أو أكثر، فأي إنجاز نكون حقَّقنا؟ نكون عملياً رفعنا الرواتب لكن قدرتها الشرائية تآكلت”.

ويشدد شمس الدين، على أن “الهدف هو تفعيل وتنشيط الاقتصاد لا خنقه بزيادة الرواتب والضرائب والرسوم، التي تؤدي إلى العجز عن خلق فرص عمل جديدة”.

ويؤكد، أن “المطلب محق، لكن تبعاً للمعطيات المبيَّنة يجب التركيز على تأمين البدائل التي تكون بمفاعيلها الاجتماعية والمعيشية بمثابة زيادة أجور، مثل مسألتي الكهرباء والنقل اللتين تستهلكان وحدهما أكثر من 70% من دخل العمال والموظفين”.

ولذلك، يرى شمس الدين، أنه “قبل البدء بطرح مسألة تصحيح الأجور، علينا طرح بدائل أخرى تخفِّف الضغط على الدخل كما أشرنا، وبعدها يمكن البحث في أي إطار يجب تحديد وتصحيح الرواتب والأجور”.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانبة

خبر عاجل