خلط أوراق إقليمي ـ دولي في المنطقة

أمام المنطقة والعالم ثلاثة أسابيع او اقل لتصبح ايران دولة نووية. هذا ما تجمع عليه التقارير وآراء الخبراء النوويين المراقبين والمتعاطين الشأن النووي الإيراني.

السؤال: ما نفع منصة فيينا بعد اليوم ان كان السيف قد سبق العذل؟

المنطقة امام مرحلة خلط أوراق كبير وبداية رسم خارطة علاقات وتحالفات تترافق مع مرحلة انتهاء نظام عالمي وعدم نضوج النظام البديل.

هذه المرحلة الانتقالية عالمياً وإقليمياً مليئة بالفوضى والتقلبات والانقلابات المشهدية، إذ نشهد وسنشهد مستقبلياً الكثير من التطورات التي لم تكن لتخطر على بالنا منذ سنة الى الوراء في بحث كل طرف دولي واقليمي عن مصالحه بعيداً عن الاصطفافات التي لطالما تمايزت بها الخريطة السياسية والجيو سياسية للعال.

في الشرق الأوسط او غرب اسيا، وفق القاموس الأميركي، بدأ يحصل تبدل ملحوظ في العلاقات الإقليمية من خلال اكثر من محور تواصل واتصال، نذكر منه المحور السعودي ـ الإيراني والمحور التركي العربي (المصري ـ السعودي ـ الاماراتي). فالكل بدأ يتكلم ويجتمع بالكل، والكل بدأ يتحاور مع الكل، وفي هذا تطور إيجابي بحد ذاته، لكن السؤال: هذه الحوارات والاتصالات هل يمكن ان تفضي الى نتائج؟

مصدر دبلوماسي غربي مطلع يقول ان تسونامي الانسحاب الأميركي الدراماتيكي من أفغانستان اعطى إشارة انطلاق التخلي الأميركي عن الحلفاء في المنطقة، وفق الحسابات التي لطالما حكمت العلاقة بين واشنطن وحلفائها التقليديين، وزادت ازمة صفقة الغواصات الفرنسية لأستراليا، من عمق القناعة بأن واشنطن باتت بعيدة في حساباتها من الاستمرار في النهج التقليدي الذي ساد علاقاتها بحلفائها حتى الأوروبيين لان ثمة معطيات جديدة فرضت حسابات مختلفة وبالتالي ستفرض نظاما عالميا جديداً.

دول المنطقة باتت مكشوفة تجاه اعدائها التقليديين: إسرائيل وايران وتركيا.

بالنسبة لإسرائيل هناك تقارب مصري اردني إسرائيلي مستجد حول موضوع فلسطين انطلق من احداث حرب غزة الأخيرة حيث عادت مصر في دورها المحوري الى الإمساك بالملف الغزاوي والفلسطيني عامة بما أدى الى تدجين التأثير الإيراني على الفصائل الغزاوية المحسوبة عليها كحماس وفروعها وفتح قنوات تفاوض مع حكومة نفتالي بنينت باتجاه إقرار هدنة طويلة الأمد في مقابل إعادة اعمار غزة ودعم السلطة الفلسطينية الى حين نضوج أوان تسوية ما.

وهذا التقارب الثلاثي يدعم في نفس الوقت الاتفاقات الابراهيمية التي ابرمت التطبيع بين الامارات والبحرين ومن ثم مع السودان والمغرب بما يشي دخول المنطقة في مسار تفاوضي طويل، يجمع فيه جميع القادة العرب على ضرورة الابتعاد عن التشنجات والحرب التي لا تفيد بشيء مع إسرائيل.

بالنسبة لإيران، وامام فشل واشنطن في احتواء ايران وروسيا والصين الى الان وفشل حلف الناتو في سباقه الجيو سياسي مع تمدد روسيا وايران والصين، قد نكون امام “يالطا” جديدة لان “يالطا” القديمة قد سقطت بنظر الصينيين وبات العالم محكوم بالثنائية مع القطب الصيني الصاعد.

وايران التي لم يشأ الغرب اسقاطها، بل المحافظة عليها لتبقى من جهة شوكة تهدد خاصرة العرب ومن جهة أخرى ضرورة أميركية لملف شرق اسيا، باتت قاب قوسين او ادنى من ان تدخل نادي الدول النووية، ما سيطلق سباق تسلح نويي إقليمي كبير تسعى واشنطن مع حلفائها الى تجنبه فيما يقوى العنصر العربي ويصبح اكثر قدرة على فرض شروطه على الغرب والتحكم بمسارات المنطقة.

من هنا نفهم لماذا تصر واشنطن على العودة الى فيينا لا رغبة منها في كبح جماح النووي الإيراني المتفق عليه، بل لمنع تحول الدول العربية وتحديداً الخليجية وعلى وجه التحديد اكثر المملكة العربية السعودية والامارات الى النووي، علماً ان هاتين الدولتين قطعتا أشواطا هامة باتجاه الاستحواذ على التقنيات النووية وبناء هيكليات الترسانة النووية.

والخطورة في هذه المرحلة وفي هذه المنطقة، انه من الممكن جدا ان نشهد تفككا في التحالفات التقليدية دون ظهور تحالفات بديلة في الأمد المنظور، الامر الذي يفتح الساحة الشرق أوسطية امام كافة الاحتمالات خصوصاً في منطقة خطرة كتلك الواقعة غرب اسيا.

في المقابل، ايران في هذه المرحلة مكشوفة الظهر والوجه: فلا هي مدعومة صينيا وروسيا بعد ولا هي مغطاة بطاولة فيينا، ما يجعلها عرضة في أي وقت لاهتزازات جيو استراتيجية، قد تنطلق شراراتها من الداخل الإيراني او من الحدود الموازية، فلا ننسى ان امام ايران مصادر قلق إقليمي حالياً عدا الأسباب الداخلية للقلق كالحالة الكردية واقليات الهازار وخطورتهما في حال تحركهما فضلا عن عرب الاحواز.

مصادر القلق والتهديد الإقليمي تبدأ من أفغانستان وتمر بباكستان ولا تنتهي بالوضع الهندي ـ الصيني. اما تركيا فها هي انقرة، وامام الصعوبات الاقتصادية الداخلية، وعدم الاتكال على الحليف الأميركي بايدن، الديمقراطي، وعجز تركيا عن الحفاظ على مكتسبات اجندتها الإقليمية (خصوصاً مع تراجع وسقوط الإسلام السياسي تحت الضربات الأخيرة في ليبيا وتونس والمغرب وفشل الانقلاب الاخواني في السودان أخيراً) باتت أولوية أولويات انقرة الاقتصاد، ما يتطلب التفاهم مع جيرانها الاستراتيجيين وشركائها المتوسطيين والإقليميين بدأ من إسرائيل فمصر مرورا بالمملكة العربية السعودية وصولاً الى دولة الامارات، مع حفظ حق تركيا ببعض النفوذ في سوريا وشمال العراق وشرقي المتوسط لكن بعد ابرام اتفاقيات وتفاهمات مع الأطراف الإقليميين كافة، والاتفاق والتنسيق مع الروسي.

اذاً، وكما نرى بين الانسحاب الأميركي من أفغانستان والتقرب من استراليا استعدادا للمواجهة الكبرى مع الجبار الصيني الصاعد، نحن امام فاصلة خطرة ومتقلبة في النظام والامن الدوليين، وإعادة تشكيل التحالفات ستصبح جزأ من مشهدية المنطقة الى حين حصول تدخل دولي جديد.

مما لا شك فيه ومهما كانت البوصلات متضاربة وفوضوية في هذه المرحلة والأوراق مختلطة، من الثابت ان كل طرف إقليمي في هذه المرحلة يسلك مسارات تدبر أموره والاتكال على الذات، بعدما ثبت للعالم ان الاميركيين لم يعودوا يقيمون لتحالفاتهم الوزن المطلوب طالما ان مصالحهم باتت مهددة وفي الطليعة وخصوصاً في شرق اسيا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل