البكاء على الأطلال إنهزاميّة مطلقة

إنّ العاصي على التّدجين لا يأبه لأيّ تهديد، أو ترهيب، أو فرض أمر بالقوّة، وهو لا يسمح باستباحة ساحته، ولا يتوانى عن تأدية دوره الوطنيّ باندفاع عنفوانيّ صلب، أيّا تكن العواقب والنتائج الوخيمة.

أمّا المتنحّي المبتعد، الذي خفت وهج هزّته، طوعا، فآثر الإنكفاء، وهو الخيار البغيض، فسوف يدفع فاتورة باهظة، بنودها سلامته، وأمن مجتمعه، ومصيره المفخّخ… ولات ساعة منْدم.

الوطن الذي أنشبت فيه شمس الخيبة حرابها المسمومة، جفّ حلقه، وقد سعى الى الماء لكنّه لم يجدْ نفسه إلّا أمام سراب كاذب. ومن حقّ هذا الوطن أن يبكي، فقد انفصل عن حلمه المليء باللّيل، وصارت أطيافه موحشة، ووعده وهما، وقد حفرت الحسرة في قلبه أثلاما دامية غصبته فرحه، وصلب على خشبة من لحمه، ولا مخلّصٌ منتظر.

إنّ ألم الوطن لا يتّصل بالشّياطين، وقلقه ليس جفوة حظّ، لكنّ الملفت الغريب هو أنّه ليس بكّاء، ولا يثور مغتاظا، بالرّغم ممّا في عصبه من أدوات الشّكوى، والمرارة، والنّقمة حتى الإنسحاق. الوطن لم يلعن ناسه علنا، إنّه عاتبٌ على متنحّين عن حقّهم فيه، هم مطايا الخوف، والإستكانة، والعزلة، أشاحوا عنه اضطلاعهم بمحبّته، وانصهروا في بنية هجينة شوّهت تاريخه، وظلمته، وأطاحت بمكوّنات كيانه، فوقع ركاما محبطا.

الوطن يسأل عن الثّورة، ومشروعها الذي ينبغي أن يخرج عن كونه مجرّد انقلاب أو تمرّد، ليكون فعل قيامة الى الأفضل، والأعدل، والأرقى. لقد هال الوطن أن تكون الثورة المأمولة انتقالا من حالة قهر، الى حالة قهر أخرى، تحت مسميّات مختلفة، فالملموس المؤكد أنها، وبفضل بعض أركانها، برنامجٌ شكليٌّ يمنّي الناس بالتّغيير، وبنقلة نوعيّة صوب تحسين الأوضاع، على كلّ الصّعد، لكنّ هذا ” البعض ” يعمل، فقط، على الوصول الى السّلطة، والقبض على مفاصل القرار، ما ينتج قهرا جديدا، وذلّا مستمرا، وقساوة خيبة أين منها طعنات السمّ.

الوطن يسقط في الهاوية، وهو منظرٌ أشدّ قبحا من الصّدمة، يكشف عن مقهورين تأصّلت فيهم فكرة الظّلم بحمولتها القاسية، وتفسّخ أملهم أمام شرذمة قياديّيهم ” الثّورجيّين ” الذين تلهّوا بمساجلاتهم العقيمة، وترّهاتهم الجوفاء، وكّذبهم المتمادي، وضمور حسّهم الوطنيّ، وفراغ يافطاتهم المتشظّية…فهم لم يبعدوا عن الناس شبح الهاوية، بنزاعاتهم الحاقدة، وانزلاقهم في حدّة صراعاتهم المقيتة، ما حوّل أمل الواثقين بهم دائرة انهزام، واستسلام، بدلا من دائرة حماية.

إنّ القضايا التي لها صلةٌ بالمواجهة الحقيقية، وبالعمل على التّغيير، لم تعدْ تهمّ أكثر قياديّي ما عرف بالثّورة، وذلك بحكم تلهّيهم بمواجهة منْ في صفّهم، حقدا، وانتقاما، وتهميشا، وبحكم تفرّغهم  لحملاتهم الإنتخابيّة المستقلّة عن لوائح مجموع المعارضين. وهذه لامبالاةٌ فاقعةٌ تحيد عن أحقيّة الإهتمام بالأهداف الوطنيّة التي تستلزم موقفا موحّدا، فلا يسمع من هؤلاء القياديّين، في هذا الموضوع، سوى التّنظير الإنشائيّ.

لقد ظنّ الناس، بعد حركة 17 تشرين، وهي لحظةٌ فارقةٌ في تاريخ لبنان، أنّ المعارضين، جميعهم، جرى صبّهم في قالب وطنيّ واحد يشكّل كلّا لا يتجزّأ، وأنهم يعون، تماما، التّشاركيّة المتفاعلة، بمعنى أنّ توحّد مواقفهم في الأهداف الإستراتيجيّة ملزمٌ، وضروريّ، لتحقيق ما يصبو إليه الناس من عدل، وحقّ، وعيش كريم، ومستقبل واعد…لكنّ حال القياديّين الميامين، أو أكثرهم، مصلحيٌّ بحت، توارثوا الشّخصانيّة، والإنتفاع، والنّفاق، والشّعبويّة، والفوقيّة، والنّرجسيّة المرضيّة، وتشرنقوا في مصالحهم الخاصة، ما أذن بترهّل الأهداف الحقيقية للثورة، وتاليا، بسحقها.

في خضمّ مرحلة نشل الهويّة، وتحقيق حالة اللّادولة، أو الدولة البديلة المفروضة، وهذا خطرٌ داهمٌ يؤشّر الى مشروع مشبوه، ظنّ بأنّ الثورة هي حامية الناس، وضامنةٌ لحقوقهم. إنّ ما يجري، راهنا، من مواقف واضحة تعلن عدم القبول بالمشاركة في لوائح إنتخابيّة واحدة، في مقابل لوائح السلطة ومنْ معها، لهو تعبيرٌ صارخٌ عن أنّ الثورة لم تكن سوى حراك مزيّف يسعى القيّمون عليها الى السلطة، لا غير. لقد فقد هؤلاء الحس بالإتّجاه، فضيعوا البوصلة، وبدلا من التّركيز على مواجهة الإنتداب الجديد، أو الإستعمار السّالب للهويّة، والحريّة، والإرادة الوطنيّة، باستنهاض كلّ القوّة المتوفّرة، ساد، بين الوصوليّين المعروفين من راكبي موجة الرّفض، العبث الصّبيانيّ، ولم يكنْ كلامهم عن المواجهة إلّا أقراصا منوّمة، و”بروباغاندا” برّاقة لاستقطاب تأييد ” ناخبين ” وليس مقهورين، بشعارات جاذبة ما لبثت نواياها أن انفضحت.

هذا الفعل الجرميّ الذي يأتيه بعض وصوليّي المعارضة، المدفوعين بحقد أرعن، سوف يؤمّن استمرار الطّغمة التي أدخلت البلد في نفق التخلّف، والإنحطاط، وسوف يقضي على لبنان الذي أضحى، بفضل التبعيّة، أطلال وطن حجريّ الملمح. عسى ألّا يفرض علينا الوقوف على الأطلال، نبكي ونستبكي، فقط

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل