وقاحة الحصانات والتهديد العلني

قيل الكثير عن الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان الذي يرقى الى مستوى القصائد الهجائية لجرير والفرزدق، إلا أن ما يحدث في ملف انفجار المرفأ، يرقى الى حدّ الخيانة العظمى بحق لبنان واللبنانيين والتواطؤ مع مرتزقة وخونة وعملاء يعملون لصالح دول أخرى ضد المصالح اللبنانية وعلى حساب اللبنانيين.

مع أن المُسبّب بانفجار المرفأ واضح ومعروف، ولو أن طريقة أو أسباب التفجير لا تزال مجهولة، إلا أن المسؤولين الرسميين لا يزالون يتلطون بالحصانات والامتيازات، بتواطؤ مُعيب ونافر مع الجهة المسؤولة عن الكارثة الكبرى التي دمّرت نصف بيروت وما نتج عنها من ويلات ومآسٍ، من دون أي خجل أو وجل وبقلّة ضمير قلّ نظيرها، إلا قلّة ضمير الطغاة والمُستبدين أربابهم.

تسقط حكومات ويستقيل وزراء ورؤساء في الدول المحترمة لأجل أصغر وأتفه الأمور، وهذه بعض النماذج التي يوجد منها المئات والآلاف:

استقالة المسؤول في البيت الأبيض ديفيد سورنسن من منصبه وسط ادعاءات تتعلق بأعمال عنف أسري.

استقالة وزيرة الخارجية الهولندية سيجريد كاج بعد انتقادات حادة من نواب البرلمان بشأن فشل إجلاء المواطنين الهولنديين من أفغانستان.

استقالة وزيرة الدفاع الهولندية بسبب مقتل جنديين في مهمة لحفظ السلام في مالي.

استقالة وزير الداخلية الفرنسي برونو لورو على خلفية مزاعم تتعلق بتوظيف ابنتيه كمساعدتين له في مبنى الجمعية الوطنية.

استقالة امان تولييف حاكم منطقة كيميروفو الروسية على خلفية حريق هائل في مركز تجاري أوقع قتلى وجرحى بينهم عدد من الأطفال، مؤكداً أنه لا يستطيع الاستمرار في منصبه “مع مثل هذا الحمل الثقيل”، مضيفاً أن استقالته هي الخيار الوحيد الصحيح.

استقالة وزير الداخلية الأردني حسين المجالي على خلفية أحداث عنف شهدتها مدينة معان (جنوب الاردن) والتي اشتكى أهلها من استخدام “قوة مفرطة” من قبل رجال الامن في تعاملهم مع مطلوبين أمنيين.
قامت القيامة في فرنسا وكادت أن تسقط الحكومة بعدما استعمل رئيس الوزراء طائرة حكومية للذهاب الى ألمانيا برفقة ولديه لحضور المبارات النهائية في بطولة كرة القدم، ما دفع الرئيس الفرنسي لتوضيح أن الرحلة كانت رسمية وأن الولدين كانا في مقعدين فارغين وبالتالي لم يُكلفا الدولة الفرنسية أية أعباء إضافية.

إذاً، الاستقالة لا تعني بالضرورة اعترافاً بالذنب أو الإدانة، وإنما هي خطوة أخلاقية تنم عن شعور بالمسؤولية المعنوية أقله، لكن هذا يحتاح أن يكون الشخص المعني يتحلى بالحد الأدنى من الأخلاق والضمير وعزّة النفس.
فما بالك بطغمة سياسية لم يهتز لها جفن بعد جريمة انفجار المرفأ ثالث أكبر انفجار في التاريخ، وتراهم بوقاحة قلّ نظيرها يتلطون بالحصانات والمحسوبيات والامتيازات، ليتهربوا من التحقيق عند المحقق العدلي، ويحاولون بشتى الطرق الخسيسة كالتهديد علناً وشبهة الارتياب الواهية ونبش قبور العائلة… علّهم يجدون تفصيلاً يمكّنهم من كفّ يد القاضي عن التحقيق كما حصل مع سلفه.

طيب، الى متى هذا الظلم والاستخفاف بمآسي الناس وأوجاعها والدوس على كراماته والهروب من تحقيق العدالة من قِبل هذه الطغمة الحاكمة التي ترعرعت وتربت فى كنف الطاغية حافظ الأسد وابنه التلميذ وعملائهم؟ وهل من المنطق أن نتأمل بأن هذه المنظومة ربيبة الطغاة، سيأتي يوم وتنحاز لشعبها الذي لا يعني لها شيئاَ، على حساب مَن ربّاها وأطعمها ومكّنها ولا يزال حتى اليوم يدعمها ضدّ شعبها وبلدها؟؟

في الختام، يُروى أن راعياً كان يسهر على قطيعه من السرقة، فتعب من السهر وقرر أن يشتري كلباً ليقوم بمهمة الحراسة عنه، فقصد أحد البدو في قرية مجاورة واشترى منه كلباً للحراسة. بعد أيام قليلة، ذهب الراعي ليأخذ القطيع الى المرعى، فلم يجد شيئاً في الحظيرة. اتصل بالشرطة وبينما كان الشرطي يحقق في المكان، لاحظ وجود الكلب، فاستغرب وسأل الراعي متى أتى بالكلب، فأخبره، فأصعد الشرطي الراعي معه ليدله على المكان الذي اشترى منه الكلب، وهناك وجدوا الماشية عند البدوي.

استغرب الراعي وسأل الشرطي كيف عرف سريعاً بأن البدوي هو الذي سرق الماشية؟ فردّ عليه الشرطي، الكلب لن ينبح على سيده الذي ربّاه وأطعمه وعلّفه وسمّنه ولن يُفضلك عليه، ولن يكون ولاؤه لك أبداً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل