نادي الحقد الفائض السمّ

لا يدخل الحقد، أساساً، ضمن مفهوم مبهم، بالرغم من ميل القاصدين الى التقصّي عن نظريّات توصل الى نظام، يمكن، استناداً عليه، تحليل صعوبة إبقاء كيانهم بلا حقد. من هنا، فالحقد صدمة، وعلاجه معركة الذات مع الوعي، وفي ربحها، يبقى السّلوك مستقيماً.

البعض ممنْ أعرف، خبيرٌ في نسج عصب الحقد، وفي ترويج هذا العصاب في ذوات متلقّين قابلين غريزيّاً. انا لا أنكر دهاء النّاسج، ومكره، وتوقه الناجح الى إكثار ” المصابين ” الذين استطاع أن ينقلهم الى حالة التنويم المغنطيسي، ويتيح لهم ما يسمّى بتفريغ إحتقان التشوّش، والقلقلة. وهؤلاء الذين لم تؤهّب ” الأنا “، عندهم، أجهزة دفاعها، خضعوا لما يبتغيه النّاسج، ففاضت عليه الأحاسيس السّارّة، والإرتياح ” القبليّ “، فكأنّه، بذلك، يكافئ إنجازه.

لقد لعب النّاسج دوراً حاسماً في نهضة فنّ الحقد، حتى صار، معه، علْماً له قواعد، وأصولٌ، ومقاييس. فلم يعد الحقد مجرد انفعال عابر، بقدر ما أصبح حالةً نفسيّةً متجذّرةً ينعطف تأثيرها الشّعوريّ على الذّات في مقاربتها للواقع. وقد آمن النّاسج بأنّ فعل الحقد هو القدرة على إصابة الدّماغ باضطراب ينبت فجوةً بين المستهدف بالحقد، وبين القدرة على مناقشة هذا الموقف منه. ولا بد من الإعتراف بطريقة النّاسج القريبة من السّحر، فهي تحضّ ” المصابين ” على الحقد بأمر تستقيم طاعته، ولا يمكن الفرار منه.

بين الحقد و” المصابين ” التحامٌ بإسراف، فكأنّ بين المشارين طبيعةً واحدة، من هنا، لم يعد الحقد محيطاً عدائيّاً على ” المصابين ” أن يتكيفوا معه بالقسر، لكنّ وقفته فوق خشبة نفوسهم كانت، دوماً، ظافرة، ومبعث لذّة في مساميرها. هم لم يبذلوا جهداً للبحث عن الحقد، فهناك منْ وهبهم هذه العطيّة الخصبة، ببراعة فذّة، طريقاً للإنتقام، والتشفّي، ما يرتدّ إمتاعاً لهم، فكأن أجنحةً ركّبت لهم وحومت بهم فوق ما كانوا يعتادون.

ينسحب على النّاسج ما قاله ” بديع الزمان الهمذانيّ “، في عصره، بأنّ هذا النوع من النّاس ” خدّاعٌ، يعيش مع الذّئب، ويبكي مع الرّاعي “. ما يعني أنّ الخطر النّاجم عن أسلوبه، لا يستدعي، فقط، إنذاراً طوباويّاً، ودعوةً عاطفيّةً للتنبّه وأخذ الحيطة، بقدر ما يستدعي مواجهةً تشعل جبهات كثيرات، هي سيوفٌ تشهر، وجوٌّ يعبق بلهجة قاسمة يرتعد منها المنقادون بحقدهم، وكأنّهم مممسوسون. صعبٌ أن يتلاشى هذا الطبع الأرعن، والخلق المؤذي، إلّا ببتر مسبّبه، ليستعيد ” المصابون ” طبيعتهم السويّة، ويرجع الإعتدال الى مسالك أنفاسهم.

عندما نستمع الى ” المصابين ” يفتر أملنا بالتغيير المأمول، وينقبض طموحنا فكأنّ صلاحية هذا الطّموح قد انتهت. فالحظوة الموعودة بقلب الطّغمة الفاسدة، الى غير رجعة، وهي حظوةٌ تألقت في ثورة تشرين، وصقلت بدماء ضحايا جريمة المرفأ، يحاول ” المصابون ” ومنْ يحرّكهم من موبوئي عشرة الحقد، انتزاع أوتار الثّورة من حنجرتها، بعربدة هي أقرب الى الفسق المصلحيّ، وبلايا الوصوليّة، وقبح الإنتقام، منها الى مواجهة السلطة اللعينة وأعوانها، والإنقضاض على مؤامرة إنهاء الكيان بمشروع تصفويّ للهوية، وللوجود. وإذا كان ما يقومون به من بروباغندا موتورة، ينطلي على بسطاء القرائح، والمفطورين على التصفيق الميكانيكيّ، فممالك العقول النيّرة أعصى من أن تدك قلاعها إشاعات الموتورين، وذميم أقوالهم.

عندما دخل النّاسج على أهله، ساء نسلهم. ولن أذهب الى الملاينة في توجّهي الى هؤلاء، وقد أتى الحقد على منطقهم، ووطنيّتهم، واندفاعهم الثّوريّ، وصفاء عنفوانهم، حتى غمر الحقد ضفاف عقولهم، وسيطر على أسلاك نخاعاتهم، وصار أشهى نسيب لهم، وبات تعلّقهم به الى حدّ قولهم له: “جعلْنا فداك”. وقد ضمهم الحقد إليه بأوثق حبال الأنس، وصار لهم مذهباً مس فكرهم، ومارس عليهم هيمنةً صارمةً في شروطها، بات التفلّت منها عاصياً عليهم.

أيّها ” المصابون “، وأنتم في الأصل أنقياء، إنّ استماتتكم في نصرة الحقد يسمّم المواجهة، واستماتتكم وثيقةٌ موقعةٌ منكم بإعدام الثورة، والقضاء على معركة قدر وطن، الهزيمة فيها ستذكر الى آخر الأزمنة، تحمّلكم مسؤوليتها، لتلعنكم الأجيال، ويرذلكم التاريخ. عسى أن تفيقوا، لتكون قيامة لبنان بكم، ومعكم

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل