
منذ أكثر من عقد، دخلت منطقة شرق المتوسط درجة عالية من الاهتمام الاستثماري النفطي، أفضى بها سريعاً إلى دخول دائرة التوتر العسكري والأمني، نتيجة النزاعات القائمة بين دول المنطقة على تقديرات بوجود نحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز ونحو 1.7 مليار برميل من النفط، تتراوح قيمتها بين 700 مليار دولار و3 تريليونات دولار، بحسب أسعار الخام العالمية.
منذ ذلك الحين، فرضت خريطة توزّع الثروات النفطية والغازية تحالفات وصراعات واتفاقات ومنتديات، بقي خارجها لبنان، باستثناء توقيع اتفاقية ترسيم الحدود مع قبرص العام 2007، بخطأ تقني طاول حدود منطقته الاقتصادية الخالصة، ولا يزال ينسحب تداعيات على مفاوضاته المفتوحة منذ أعوام مع إسرائيل، بفعل تعدّد الاقتراحات والخطوط قبل أن ترسو دراسات الجانب اللبناني وتقاريره على الخط 29 “شفهياً”، من دون تعديل المرسوم الرقم 6433، وذلك بغية منع شركة “إينرجين” اليونانية من التنقيب عن النفط في حقل “كريش” الإسرائيلي، بتفويض من شركة “هاليبرتون” العالمية التي منحتها تل أبيب عقداً للتنقيب عن النفط.
وتشرح المحللة الاقتصادية فيوليت غزال البلعة، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن الدول تستند في ترسيم حدودها البحرية على المعاهدة الدولية لقانون البحار الموقعة العام 1982. لكن سوريا وإسرائيل وتركيا بقيت خارجها. وعلى الرغم من ذلك، وقعت دول المنطقة عدداً من الاتفاقات الثنائية لترسيم الحدود الاقتصادية بينها. فعلى سبيل المثال، تم ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص العام 2003 ثم في 2013، ومصر وإسرائيل 2005، وبين قبرص ولبنان العام 2007، وقبرص وإسرائيل العام 2010، وإسرائيل والأردن، واليونان وإيطاليا في 2020، واليونان ومصر في 2020. وأدّت تلك الاتفاقات إلى نشوب نزاعات، أبرزها الخلاف التركي مع قبرص واليونان، والخلاف بين لبنان وإسرائيل، وبين سوريا ولبنان”.
وتلفت في السياق إلى أنه فيما يتخاذل لبنان أمام حقوقه النفطية في مياهه الإقليمية من خلال تردده في تعديل المرسوم رقم 6433 وإيداعه الأمم المتحدة لجعل منطقة التنقيب الإسرائيلية الجديدة “منطقة متنازع عليها” ـ بما يفضي تالياً إلى تجميد أي نشاط تنقيبي فيها ـ تستعد قبرص لخوض جولة جديدة من التنقيب متوقعة في الربع الأول من 2022، بعد مسيرة بدأتها العام 2007 مع إطلاق اول جولة تراخيص، وتأجيل الجولات الأخرى بفعل النزاعات التي أثارها الجانب القبرصي التركي، ومن خلفه حكومة أنقرة، لتعود بعد معارك شرسة خاضتها ضد “الأطماع التركية”، إلى استئناف نشاطها النفطي في حقل “أفروديت” بفعل المظلة الدولية التي وفرّها لها “منتدى شرق البحر الأبيض المتوسط ” EastMed Gas Forumالعام 2019، والذي يضمّ مصر وفلسطين والأردن وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا.
وتضيف، تكمن أهمية هذا المنتدى أنه بدأ يتحوّل الى “منظمة دولية حكومية” مع طلب فرنسا رسمياً الانضمام الى عضوية المنتدى، وإعلان الولايات المتحدة رغبتها في الانضمام كمراقب بصفة دائمة، فضلاً عن دعم السوق الأوروبية لمشروع تبلغ تكلفته نحو 7 مليارات دولار. وينصّ المنتدى على مشروعين: تصدير مشترك للغاز المسال المصري والقبرصي والإسرائيلي من محطات تسييل الغاز المصرية الى السوق الأوروبية، وتشييد خط أنابيب بحري للغاز يبدأ من حيفا فقبرص واليونان حتى إيطاليا.
وترى البلعة أن “المفيد في تجربة قبرص هو نضالها المستمر للمحافظة على ثرواتها النفطية، على الرغم من تداخل حدود الجرف القاري التي تعكس نزاعاً سياسياً تشهد عليه العلاقات التاريخية بين قبرص وتركيا، مشيرة الى ضرورة درس التجربة القبرصية والاتعاظ بها لوجود أوجه شبه عدة بين لبنان وقبرص، سواء لجهة الحجم الجغرافي حيث تقع الجزيرة على مساحة 9250 كلم2 في شرق البحر المتوسط، أو تداخل حدود المناطق الاقتصادية، أم لجهة عدد البلوكات النفطية التي بلغت 9 في لبنان والمقدّر اختزانها نحو 20 تريليون متر مكعب من الغاز وأكثر من 550 مليون برميل من النفط، مقابل 12 بلوكاً في قبرص المقدّر اختزانها ما بين 102 و170 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.
من هنا، تعتبر أنه لا يحق للسلطة السياسية أن تتخاذل حيال المطالبة بحقوق لبنان الغازية، إذ إن التفريط في ثروة لبنان لأسباب وغايات غير مبرّرة ولا علاقة لها بالشأن العام، هو أكثر من “جرم عادي”، كونه يحرم الأجيال المستقبلية من استغلال منافع تلك الثروة. وتؤكد على ضرورة أن تدرج حكومة الرئيس نجيب ميقاتي هذا البند (تعديل المرسوم 6433) على جدول أعمالها أو في أقرب جلسة لمجلس الوزراء، وذلك بغية تمهيد الطريق لمسار قانوني يفضي إلى وقف أي نشاط إسرائيلي في منطقة متنازع عليها.
وتحذر البلعة من أن أي تأخير في هذا الملف من شأنه إبقاء لبنان خارج الاتفاقات الثنائية المعقودة أو المنتديات التي تنظم نقل غاز المنطقة الى أوروبا، بما يضيّع عليه فرصة حجز مقعد في نادي الدول المصدّرة للنفط، خصوصاً أن التغيّرات الجيوسياسية المتلاحقة تحتّم الإسراع في تحقيق إنجازات حقيقية هذه المرّة وليس “وهميّة”، بما ينعكس إيجاباً على المشهد اللبناني المأزوم الذي يحاول طَرق باب المجتمع الدولي، ويُسقط من حساباته الأرباح التي ستتحوّل حتماً “فائتة” إن أغفلت السلطة السياسية جملة العواقب الاقتصادية التي ستترتّب على الصالح العام للبلاد، وتفويت فرص النجاة التي ستفتح أمامه للخروج من الأزمات الأصيلة والمتحوّرة، في موازاة فتح قنوات التفاوض مع المجتمع الدولي لجذب برامج إصلاحية قادرة على ضخّ جرعات نقدية طازجة، تشكّل اليوم المتنفَس الوحيد لوقف الانهيار الشامل.
