
ليس أمراً سهلاً أن تنجح السلطة في إيجاد المبررات التي تضمن لها التمديد لنفسها بتأجيل الانتخابات النيابية المقررة بعد بضعة أشهر.
فلا اللبنانيون قادرون على المزيد من تحمّل أعباء هذه السلطة وفسادها ومحاصصاتها،
ولا المجتمع الدولي يسمح بهذا التمديد المستهجَن.
كما أن دولاً في المنطقة أقل عراقةً وتقليداً في تداول السلطة، تُجري انتخاباتها مثل إيران نفسها والعراق والمغرب وسواها، حتّى سوريّا ولو على طريقتها “الديمقراطية” المشهودة.
لذلك،
فإنّ القول بسقوط لبنان نهائياً في محور الأنظمة المقفلة غير الديمقراطية وعلى النموذج الإيراني ليس دقيقاً، برغم الهيمنة الإيرانية على السلطة القائمة. والدليل المباشر هو عجز “حزب اللّه” عن التمديد لأكثريته الراهنة، مع علمه الأكيد انها لن تتكرر في الربيع المقبل.
وليس خلط الأوراق في الشرق الأوسط بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وربما من دول أخرى، يعني أن الساحة مفتوحة للتمدد الإيراني وحسم الغلبة ل”محور الممانعة”، لأن دولاً إقليمية غير إيران لا تقل قدرة وأهلية لفرض النفوذ، كتركيا والمملكة العربية السعودية ومصر وصولاً إلى إسرائيل.
والتوازنات الجديدة ليست محكومة فقط بالنفوذ العسكري والقوة القتالية، بل أساساً بالتأثير الاقتصادي والمالي.
وسيكون لبنان، في المرحلة الطالعة، مختبراً حيّاً لقدرة الاقتصاد والمال على مجابهة السلاح، والبرهان هو اضطرار “حزب اللّه”، ووراءه إيران، على الرضوخ لشروط المجتمع الدولي وصندوق النقد، برغم مظاهر التمنّع والنفور، فمقابل هيمنة سلاحه على القرار السياسي، يهيمن المال الغربي والعربي على قراره، ويلجم نظريته القائلة ب”انتصار” محوره.
وفي هذا الإطار الواسع، تبدو حفلات صهاريج المازوت الإيراني صورة كاريكاتورية مضحكة أمام هول الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها إيران تحت ضغط العقوبات.
ولعلّ هذه المعادلة اللدودة بين العسكر والمال
ما فرض تشكيل الحكومة بالصورة التي جاءت فيها، وما حدا الرئيس نجيب ميقاتي على استهلال حركته الخارجية من الغرب وليس من الشرق.
إذاً، في استنتاج عام يمكن القول:
إن السلاح العسكري الشرقي (الإيراني) محكوم بالسلاح الغربي الاقتصادي المالي، بدون التقليل من أهمية الردع العسكري الغربي والعربي لصلف “الممانعة”، ولا مناص لإيران من أن تكسر شوكة أحلامها النووية وأطماعها الامبراطورية كي تنقذ نفسها من أزمتها الاقتصادية الخانقة وأزمة أذرعها في المنطقة العربية، ومنها لبنان. وقد جاء إعلان المسؤول الإيراني عن تشكيل ستة جيوش خارج إيران، ومنها ” حزب اللّه” مثيراً للمجتمع الدولي كي يضع انتشار هذا النفوذ على أجندا المفاوضات في فينّا.
والضغط المالي الغربي يفسّر تسليم ” حزب اللّه” بإلزامية التوجّه الاقتصادي غرباً، وبالسياسة التي ينتهجها رئيس الحكومة بعد تهافت النظرية القائلة بتغيير وجه لبنان ووجهته حصراً نحو الشرق.
ولا يصحً الرهان على استغلال مال الغرب لتقوية وظيفة السلاح، خصوصاً أن هذا المال سيكون خاضعاً لمراقبة شديدة ومباشرة من المموّلين، بل الصحيح هو تذويب، أو على الأقل “ترشيد” وظائف السلاح في الحاجة إلى المال. وهذا ما سيظهر حكماً في المشهد الإقليمي الدولي الأوسع، حين تضطر إيران على التسليم بشروط رفع العقوبات، وأبرزها نزع أنيابها النووية والباليستية ولجم طموحات نفوذها خارج حدودها الوطنية.
وتحت اتساع هذه المعادلات تبدو غنائيات السلاح و”الانتصار” في فكّ الحصار عن لبنان، وتصنيفه شرقيّاً و”إلهيّاً” خارج السياق… ولا تسدّ جوع الجائعين، ومن بينهم بيئة “الممانعين”.