
“رزق الله ع أيامك يا ترامواي بيروت”، “الطلعة والنزلة بالسرفيس بعشر قروش”، وغيرها من العبارات التي ترافق، اليوم، اللبنانيين الذين عايشوا هذه المرحلة وأخبروا الأجيال عنها.
من شرفة منزلنا المطل على الطريق العام، كنت أراقب العدد الهائل من السيارات التي تمر، خصوصاً سيارات النقل العام وحركة الصعود والنزول منها، المتنفس الوحيد للمواطن، وسائقوها الذين يتسابقون لاصطياد الركاب، مسببين فوضى عارمة وغير مبالين بما سيحصل وراءهم عند وقوفهم فجأة. اليوم، تغير المشهد تماماً. الحركة بطيئة والناس لازموا بيوتهم، ورواتب البعض منهم لم يعد يكفيه مواصلات وأصحاب الـ”تاكسي” والباصات يشكون فقدان الوقود من الأسواق، والتسعيرة حدث لا حرج. فهل يعود أتوبيس الدولة؟
يشير رئيس نقابة عمال ومستخدمي النقل المشترك ريمون فلفلي في حديث لموقع “القوات”، إلى “قرارات صادرة بتاريخ 19/8/2004 رقم 27، لغاية 2012 لإعادة إحياء وتفعيل النقل المشترك من قبل الدولة لشراء 250 باص، لكنها بقيت شعارات ولم تنفذ”. ويضيف أنه في العام 2012، اتخذوا القرار نفسه، لكنه بقي “حبراً على ورق”، مؤكداً أن “كله رهن بالتنفيذ، وعود وشعارات والعبرة في التنفيذ”.
ويشدد على أننا كنقابة عمال ومستخدمي النقل المشترك أكدنا أنه لا يجوز استقالة الدولة من هذا القطاع، ولا تركه على “مزاجيّة” القطاع الخاص، وناشدنا الدولة لتنظيم هذا القطاع وتنظيم قطاع النقل المشترك ككل.
ويشير إلى أننا “حصلنا بجهد إداري مع البنك الدولي ووزارة الأشغال، سنة 2015، على قرض بقيمة 295 مليون دولار لدعم قطاع النقل بشكل عام من طرقات ونقل مشترك، لكن لغاية هذا اليوم لا قرار”.
ويوضح فلفلي أن النقل المشترك يعود إلى قرار سياسي بامتياز ووزير الأشغال العامة والنقل علي حمية يعمل اليوم عليه، ويبدو أنه “طاحش”، بحسب تصريحاته.
ويشرح أن “عدداً كبيراً من باصات الدولة تضرر في انفجار 4 آب، إذ إن مركزنا في مار مخايل مقابل مرفأ بيروت”. ويشدد على أنه لا حل إلا بسكك الحديد، “عيب على دولة لا تملك سكة حديد”، مضيفاً أنه “لا خيار إلا عبر تأمين شبكة نقل حضارية تليق بالمواطن بتوقيت معين ومنظم، تكون بديلاً من السيارة”.
من جهته، يوضح رئيس مجلس إدارة مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك زياد نصر، لموقع “القوات”، أنني “التقيت وزير الأشغال والنقل وأطلعناه على تفاصيل الخطط والمشاريع التي تم اعدادها سابقاً، وكان الوزير مهتماً وأبدى حرصه على العناية بهذه المشاريع”.
ويؤكد أن “هذه الخطط مثالية وطموحة لكنها تحتاج إلى وقت ومسار طويل، إذ إنها عملية تنظيمية لأن لبنان يعاني من فوضى في هذا القطاع، فأصحاب المركبات العمومية يعملون بشكل مجتزئ وغير متكامل، ولا يشملون كافة المناطق ولا يعملون وفق منظومة ووتيرة مستقرة، أي أن السائق غير مقيد بخدمة المواطن وفق ضوابط تنظيمية رسمية. بالإضافة إلى منافسة حادة بين سائقي المركبات العمومية على الخطوط تؤدي إلى الفوضى ونفور المواطن”.
ويكشف عن أنني “تقدمت باقتراح يقوم على التكامل بين القطاعين العام والخاص، إذ يمكن الاستفادة اليوم، مرحلياً، من بين العدد الكبير المتوفر من المركبات العمومية التي تعمل على الطرقات بعشوائية، بحد أدنى من التنظيم، ويمكن إعادة توزيعها بشكل مترابط وتخدم كافة الأراضي اللبنانية وألا تكون محصورة مركزياً في بيروت”.
ويضيف، “هذه الشبكة التي اقترحناها تشمل ضوابط تنظيمية، لا تحتاج إلى أعباء كبيرة بل إلى دعم، لكن في هذه الحالة يكون الدعم مشروطاً وموجهاً لتأمين خدمة النقل للمواطن، وهو مختلف عن الطرح المتداول عبر دعم الفيول والمحروقات، إذ يفتح المجال لاستغلال الدعم لغير خدمة المواطن. والطرح يتضمن كافة المنطلقات التنظيمية، إذ يتم توزيع المركبات على المناطق بخطوط محددة، ويصبح السائق موكل إليه تأدية خدمات على مسار محدد له، وفق وتيرة منظمة بين مجموعة من المحطات. بهذه الحالة، نؤمن له الدعم المطلوب، ويمكن مراقبته”.
ويخوض نصر بالتفاصيل أكثر، معتبراً أن “الدعم الموجود حالياً متفلت، واقتراحنا أيضاً يحدد سقفاً للتعرفة، أي إذا أراد ابن عكار الذهاب إلى مكان عمله في بيروت، لن نسمح أن يضع كامل راتبه للتنقل، وفي هذه الحالة يكون الدعم من الحكومة موجهاً لتمكين المواطن اللبناني من الاستغناء عن سيارته والتنقل بشكل يومي على الطريق”.
ويأمل أن “يلاقي اهتمام المراجع المختصة لإقراره”، مشدداً على أنه “على الدولة أن تطلع بدورها الأساسي، وفق واجباتها ومسؤولياتها، بتنظيم هذا القطاع وتسيير منظومة متكاملة للنقل وفق ضوابط معينة، وعندما يتم التوافق على المبدأ، تصبح التكاليف تفاصيل”.
ويقول إن “الدولة تراجع دورها في قطاع النقل وأوكلت بشكل أو بآخر هذه الخدمة لأصحاب المركبات العمومية والقطاع الخاص أثبت فشله. ويجب أن تستعيد دورها برعاية وتنظيم قطاع النقل بالتكامل بين القطاعين العام والخاص”.
وبالنسبة إلى إعادة صيانة وتشغيل السكك الحديدية، يقول نصر إنه “حين تتوفر الاعتمادات والقرار السياسي يمكن استنهاض هذا المرفق الحيوي. ولا شك أن لبنان بحاجة إلى تسيير وسائط عديدة للنقل المشترك، منها النقل بالحافلات وعبر القطارات، تحديداً على طول الساحل اللبناني”.
ويشير إلى أنه “تم وضع دراسة متقدمة لإعادة إحياء خط سكك الحديد بين بيروت وطرابلس انتهاء بالحدود اللبنانية السورية، وهو مشروع استثماري من الحجم الكبير والضخم، والعديد من الجهات المموّلة تبدي رغبة في الاستثمار لكنه يحتاج إلى قرار سياسي ومناخات متوفرة”.
