#adsense

التغريد خارج السّرب… إعدام وانتحار

حجم الخط

لا زلنا نسمع، عندما نصغي لبعض الأشاوس في التّصريحات والطلّات، رفضاً قاطعاً للمشاركة في لوائح إنتخابيّة معارضة، لمواجهة مرشّحي السّلطة ومنْ يدورون في فسادها. وكأنّ هؤلاء الجهابذة لا يعلمون أنّهم أخبث الشّوك الذي يؤذي ورد الطبيعة العاكف على تأريج نسائمها بعد انسحاقه بوحل الأعاصير.

إنّ التّغريد خارج سرب الإجماع المعارض، يعرّض ساحة المواجهة لاهتزازات وخيمة، أخطرها خفْت وهج المواجهين، وإقصاؤهم عن إمكانيّة فرض واقع مغاير لما كرّسته السّلطة ومنْ يتحكّمون بها. وإذا كان الحاقدون يعتبرون ما يأتونه إنجازاً، غير أنّ الحقيقة هي عكس ما يرجونه، وما يرجونه ليس سوى وصمة عار لن تمّحى عن تاريخهم، لأنّه إعدامٌ لحركة التّغيير، وانتحارٌ إجباريٌّ لهم، قبل غيرهم.

من طقوس الإنتحار أن يعلن المنتحر ” علي وعلى أعدائي “. والغريب أنّ هذا ما يفضّله الحاقدون، ولو كان الثّمن الذي يدفعونه باهظاً. إن كلمة “أعدائي”، في قاموسهم، تعني بعض المشاركين في المعارضة، من أقطابها المزعجين، والذين، موضوعيّاً ووطنيّاً، ينبغي أن يكونوا ” أصدقاء ” أو زملاء الإنتفاضة، وقد وطن هؤلاء أنفسهم في النّار بلا تخوم، وقدّموا الذّبائح، وهذا ليس خرافةً، كما يزعم الحاقدون وبلا دليل.

من أبرز نتائج ضرْب رمْل الحاقدين انقلاب منْ يرفضون مد اليد لهم، على الحراك الرفضويّ، بتمرير رسائل، تحت الطاولة، الى الخصوم، لتبريد التشنّج، وتعديل النبرة، وكأنّ مناخهم الثّوريّ لم يعدْ جمرةً بلا انطفاء، وهذا يعني، تحديداً، أنّ صوت المصلحة عندما يعلو، لا يعلو عليه صوتٌ من أيّ نوع. إنّ هذا الإتهام الهرم، الذي نسجته مخيّلة موبوءة، ليس سوى برهان على عقل مشوش، وإنحلال خلقيّ، وولوع بالتجنّي، وترويج ملفّق لأكذوبة إبليسيّة تائقة الى تشويه وجه ناصع، ونضال موثوق. لكنّ الأكذوبة لم تكنْ وافرة المحصول.

إنّ إشكاليّة التخلّف عند الحاقدين تكمن في تفكيرهم المتشظّي الذي لا يفهم منه سوى الضدّيّة بين الوعي والهلوسة. وإذا كان العقل هو مدبّر المواقف، فالمفروض أن تغنم عن موائده معرفة الحقّ، أمّا التردّي في الإستنارة بوهجه، فعيبٌ يستمدّ خيوطه من الباطل، وعجزٌ عن صون الإتّجاه السويّ في التّفكير. لقد عطل الحاقدون آلة قياس الحقيقة، وعزلوها في انطواء، لذلك، فإنّهم، عندما ينادون العقل، العقل لا يجيبهم، ولن يفعل إلّا بعد أن يدشّنوا حالة النّضج.

المسألة دقيقةٌ للغاية، بل خطيرة الى أبعد ما يصل الخطر. فالمصير إمّا أن يكون جنائزيّاً، إنْ لم نخرجْ من مأزق التخاصم والضّعف وفحيح الحقد، وإمّا أن يكون شامساً، إذا اهتدينا الى إطفاء الحريق الذي يوشك أن تأكلنا ناره. وهنا، لا بد من تذكير المستمرّين في حقدهم، أنّهم، في مناوراتهم المكشوفة، لن يكونوا الأبطال في غربة هم يسوقون الناس إليها، ويشقّون لهم الطريق الى دنيا الجدران، ليختلط في قلوبهم دويّ اليأس بدويّ الإنهزام، فلا يعودون يعرفون أي الدويّين غلب الآخر.

إن أسر النّاس بالحقد جرحٌ ينزف خوفاً، وهذا يعني جعلهم صاغرين أمام معادلة الموت والموت، فأيّ مخرج يتوقون إليه ؟ إنّه رمي النّاهضين الى التّغيير في أتون الشجن، وهذا أبلغ من صدمة مؤلمة، إنّه تلويثٌ لجمال الأمل بنفايات الحقد. وفي هذا المجال، أسأل الحاقدين: هل بالإمكان أن يحرز العقل نصراً في خضمّ رؤاكم المشوهة والمليئة بالهدم ؟ هل من المستحيل إقامة حالة وطنيّة تنهض على المحبّة، والتّلاقي، بدون بطاقة دعوة ترفضونها ؟ إنّ لحظة تأمّل ترتضونها يمكن أن تكون جواز مرور الى الوعي، والعودة الى الأصالة.

أيّها الحاقدون الأعزّاء، لم ترثوا تاريخاً مشوها، أو زمناً مخزياً، أو نسيجاً وطنيّاً مهلهلاً ما به فائدة، بل علاقةً جدليّةً بين شروط الإنتماء وبين النّضال الذي روى به أسلافكم قصة الولاء له.  فمنْ عجن للأجيال بخميرة الدّم، لا يرضى أن تباع أحلامه بالتّشويه، وأن يسقطه الحقد من حساب الوطن.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل