#dfp #adsense

المغتربون إذا اقترعوا

حجم الخط

في المَهاجرِ حيثُ يناضِلُ الشَّوق، تتحرَّقُ العواطفُ الى الوطن، وعاطفةُ المهاجِرين الذين آلَمَهم ليلُ لبنانَ الطويل، هي كَلِسانِ الشَّمعةِ، لا تخرجُ إلّا من صِدعِ القلب.

حكايةُ الهجرةِ مع اللبنانيّين مُتَجَذِّرَةٌ في لاوَعيِهم منذُ أَمَدٍ طويل، لذلك، هي ليسَت ظاهرةً حديثةً لكنّها تَفَعَّلَت بسببِ ما أَتلَفَه الحاكِمون الحاليّون من أَملٍ في النّاس، ومن وَعدٍ للأجيالِ، ما دفعَ المُقيمينَ الى تَركِ البلدِ لاستيطانِ بلادٍ أخرى، إمّا طَلَباً للعملِ والرِّزقِ المفقودَين في البلاد، وإمّا هرباً من خَطَرٍ أَمنِيٍّ داهِم، وإمّا يأساً من طبقةٍ سياسيةٍ فاسدةٍ، وإمّا مُقايضةً للظُّلمِ والقَهرِ بالحريّةِ والحقوق.

لقد تحوَّلَت الهجرةُ من مشكلةٍ بحاجةٍ لِحَلّ، الى قضيةٍ مركزيّةٍ حاضرةٍ في الوجدانِ الوطنيّ، لأنها جزءٌ من ثقافةِ الانتماء. فموجاتُ الاغترابِ المتعاقِبَةُ قد ابتلَعَت كَمّاً هائلاً من العُقولِ، والأَيدي، والعائلات… بَلَغَ، حسبَ مَسحٍ إحصائيٍّ غيرِ رَسميّ، أكثرَ من خمسةَ عَشَرَ مليوناً، مُوَزَّعين في أربعةِ أقطارِ الأرض. وهذه الطَّفرةُ الهائلةُ في حركةِ الهجرة، والتي تفاقمَت في السنواتِ الخمسِ الماضية، كلّفَتِ البلدَ اختلالاً في توازناتِهِ الديموغرافية، ونَزفاً انحداريّاً في قُدُراتِهِ الاقتصادية، وشَلّاً لقطاعاتِهِ الإنتاجيّة، وتقليصاً قَسريّاً لأنشطتِهِ الشبابيّة…

لسنا ننكرُ على المغتربين، والمهاجرين، أنّهم رأسُمالٍ كبيرُ الحجمِ في دُوَلِ الانتشار، ما ارتدَّ إيجاباً على مستوى حَملِ القضيةِ اللبنانيّةِ الى المحافِلِ الدوليّة، وتشكيلِ صمّامِ أمانٍ في التّوازنِ الاقتصادي من خلالِ التَّحويلاتِ الماليّةِ المُتلاحِقَة، والتي لمّا تَزَل تتدفَّقُ على العائلاتِ، وعلى المرجعيّاتِ الأَهليّةِ التي تُعنى بالمساعداتِ الإنسانيّة.

في مرحلةِ الاستعداد للانتخابات النيابيّة، وقبلَ الشُّروعِ في شرحِ حقِّ المغتربينَ والمهاجِرينَ “الطّازَه” في الاقتراع، لا بدَّ من الإشارةِ الى تَقاعُسِ الدوائرِ الرسميّةِ، وإهمالِها، ولا مبالاتِها بالاهتمام بالواقِعِ الاغترابيّ، وهو اهتمامٌ كانَ، ولمّا يزل، صُوَرِيّاً. إنّ موقفَ المسؤولينَ العاريَ من المسؤوليّة، والذي استَنسَخَهُ القَيِّمونَ على الشأنِ الخارجيِّ في الحكوماتِ المتعاقِبَة، لا سيّما في العهدِ الحالي، يشكّلُ السَّبَبَ الأساسيَّ في انفصالِ المهاجِرين عن موطنِهم، وكأنّه دعوةٌ مشبوهةٌ لِتَذويبِهم في المجتمعاتِ التي حَلّوا فيها، وهذا موقفٌ غيرُ بريءٍ على الإطلاق، بل موقفٌ إجراميٌّ موصوفٌ بحقِّ الوطنِ وأهلِهِ المغتربين. وما مشكلةُ القُيودِ وتعقيداتِها المَقصودةِ سوى عرقلةٍ مشهودةٍ بَرَعَتِ السلطةُ في تسليكِها، فما عدمُ تسهيلِ حصولِ المغتربين على جنسيّتِهم اللبنانيةِ من السّفاراتِ، والقنصليّات، سوى مؤامرةٍ دنيئةٍ لوضعِهم خارجَ المعادلةِ الداخليّة، ليتسنّى للقيِّمين المعروفين أن يَضعوا اليَدَ على الدولةِ، وعلى قرارِها، من خلالِ انتخاباتٍ يتلاعبونَ بكَيفيّتِها، ويزوّرونَ نتائجَها، ليَدومَ فسادهم.

إنّ السلطةَ تمارسُ أَبشَعَ مؤامرةِ إقصاءٍ للمغتربينَ والمهاجِرين من جغرافيا الوطن، بهدفِ حَذفِهم من زَمَنِهِ، وتاريخِه. فشَطبُ دَورِهم في الانتخابات العتيدةِ يشكّلُ بَنداً مُلزِماً ضمنَ إستراتيجيا صاغَها تقاطعُ المصلحةِ بينَ المتضَرِّرين في الدّاخل. من هنا، فالمطالبةُ بوَقفِ تنفيذِ القرارِ الدّاعي الى إلزاميّةِ مشاركةِ مَنْ في الاغتراب بالانتخابات النيابيّةِ المقبلة، وبتَرحيلِ المشاركةِ الى ما بعدِ هذا الاستحقاق، سلوكٌ مَشبوهٌ يؤكِّدُ على نِيَّةِ السّلطةِ ومَنْ يتحكَّمُ بها باعتبارِهِ حيثيّةً غيرَ قابلةٍ للحياة.

إنّ مشاركةَ المغتربينَ في الانتخابات النيابيّةِ، من شأنِها أن تُبَدِّلَ في النّتائجِ، وفي التوازنات، وفي تحديدِ مَنْ يحكمُ لبنان، بعد أن تولّى الحاكمونَ القَيِّمونَ على تشويهِ الواقعِ السياسيِّ، بزَجِّ الوطنِ في حفريّاتِ الانحطاط، والقَهر، وضربِ الحريّاتِ ومفهومِ السيادة. إنّ غَصْبَ المُنتشِرين حقَّهم في ممارسةِ دورِهم الديمقراطي، هو عَطَبٌ لِعَصَبٍ أساسيٍّ لا يزالُ يضخُّ بعضَ القدرةِ في جسمِ الوطنِ المُتَرَهِّلِ. فإزاءَ هذا الاغتيال السّافرِ لحقِّ أهلِنا، في عالَمِ الاغتراب، بممارسةِ مشاركتِهم في الانتخابات القادمة، ينبغي إطلاقُ إستراتيجيا المواجهةِ التي ينبغي أن تشاركَ فيها الطاقاتُ الوطنيّةُ في الدّاخلِ والخارج، تحتَ يافطةٍ واحدة:

إنّ ممارسةَ المغتربين والمهاجرين لواجبهم الانتخابي هو حقٌّ مُكتَسَبٌ، وليس مِنَّةً من أحد. وهذا الحقُّ ليس حقّاً سياسيّاً فَحَسب، بِقَدرِ ما هو حقٌّ وطنيٌّ، كيانيٌّ، بجبُ انتزاعُهُ بالقوّة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل