
كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1721
“الأحرار” يلاقي “القوات” على أولوية الأولويات
الجبهة السيادية مسار لا محطة!
لا تستقيم أي مواجهة من دون توافر ثلاثة عناصر أساسية: مزاج شعبي، جبهة سياسية وموقف دولي، وغياب أي عنصر من هذه العناصر يؤدي إلى الإخلال في ميزان القوى المطلوب للمواجهة.
لم تتمكن الحالة السيادية من إخراج الجيش السوري من لبنان سوى بعد ولادة جبهة سياسية بدأت بدايات تكوينها مع بيان مجلس المطارنة الموارنة في العام 2000 ونشوء لقاء «قرنة شهوان» وتقاطعه مع “اليسار الديموقراطي” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” وصولا إلى تيار “المستقل”، وأدى إغتيال الشهيد رفيق الحريري إلى رصّ صفوف المعارضة وتفجُّر انتفاضة شعبية غير مسبوقة في التاريخ اللبناني، والجبهة والإنتفاضة قادا إلى تدخُّل دولي داعم لمطالبهما، فخرج الجيش السوري من لبنان.
وما تقدّم يعني أن توافر الحالة الشعبية والجبهة السياسية والموقف الدولي أدى إلى تحقيق الهدف الذي تقاطع حوله هذا الثلاثي، ونجحت الجبهة الـ14 آذارية في سنواتها الأولى في فرض ميزان قوى جيِّد في مواجهة “حزب الله” الذي وصل آنذاك إلى قناعة بأن الخيار الوحيد أمامه إستخدام سلاحه منعا لـ”العبور إلى الدولة”.
وما ينطبق على 14 آذار لا ينسحب على 17 تشرين التي تميّزت في الإنتفاضة الشعبية العابرة للطوائف والمناطق والساحات، ولكن فشلها في تشكيل جبهة سياسية تحمل مطالب الناس الثائرة أفقدها القدرة على الحصول على دعم دولي عملي لمطالبها، فلو نجحت في تكوين جبهة وحملت مثلا مطلبًا واحدًا هو الانتخابات المبكرة لكانت انتزعتها حكما، إلا أن نقطة ضعفها الكبرى كانت في عدم قدرتها على تأليف جبهة للأسباب المعلومة المتمثلة باعتقاد بعض المجموعات داخلها بقدرتها على تصفية الحسابات والتخلُّص من القوى السياسية بالضربة القاضية، وعدا عن عقم هذا التفكير وانتهازيته، فإنه لا يضع المصلحة الوطنية العليا هدفا له، لأن من يسعى للإنقاذ عليه أن يسعى للوحدة التي من دونها يعني الإستمرار في واقع الشرذمة نفسه، والوحدة المقصودة هي وحدة الموقف والصف السياسي.
ولا تستقيم أي مواجهة من دون وجود ميزان قوى سياسي على غرار ما كان عليه الوضع في زمن “الجبهة اللبنانية” و”الحركة الوطنية”، و8 و14 آذار، وأي ميزان قوى يجب أن يستند إلى عامل شعبي أولاً، وجبهة سياسية ثانيًا، ودعم دولي ثالثاً، ومن دون هذه الثلاثية لا إمكانية بتحقيق أي هدف وطني فعلي، والشرط الأساس للدعم الدولي وجود جبهة سياسية من أجل ان يدعم مطالب محددة.
فانتفاضة من دون قيادة تنتهي كما بدأت وكأنها فورة شعبية، ولا خيار أمامها سوى الإنتظام وتوحيد الصفوف ووضع لائحة أهداف عملية قريبة وطويلة الأمد، وقبل تحقيق ذلك لا أمل بالتغيير وتحقيق الأهداف المرجوة، إنما مزيد من المراوحة وتقديم خدمة مجانية للفريق الممسك بقرار الدولة والذي يُبقي البلد ساحة والدولة مخطوفة، وانتفاضة 14 آذار أدت إلى تدعيم وحدة الصف التي كانت قائمة، ولو حصلت الإنتفاضة من دون وجود جبهة لكانت لقيت مصير إنتفاضة 17 تشرين نفسه، ولما خرج الجيش السوري من لبنان.
فالهدف الأساسي إذاً إنشاء جبهة سياسية سيادية، خصوصًا أن البيئة الشعبية جاهزة لاحتضان وتلقُّف أي جبهة في ظل تعطُّش الناس للوحدة التي ترى فيها قوة ومدخلاً للتغيير، وهذا ما دفع “القوات اللبنانية” إلى توجيه دعوة مطلع العام الحالي من أجل قيام جبهة سيادية، ولكن الحسابات الصغرى للبعض، وعِقَد البعض الآخر الشخصية، ورهانات البعض الثالث الوهمية حالت دون ذلك، علمًا أن “القوات” تعتبر من أقوى القوى السياسية تمثيلاً وتنظيمًا وحضورًا وليست بحاجة لأي تحالف إذا كان هدفها أن تلعب “سولو” وسلطة، فيما هدف “القوات” إخراج لبنان من أزمته السيادية والوجودية والمالية.
وعلى رغم ما تملك “القوات” من حيثية وحضور مدّت اليد من أجل تشكيل جبهة سياسية قناعة منها أنه من دون جبهة وميزان قوى لا يمكن أن تشقّ طريق التغيير وتبدأ بتسجيل النقاط على الفريق الآخر، وهذا ما جعلها تتلقّف دعوة “حزب الوطنيين الأحرار” من أجل قيام جبهة سيادية، فشجعته على مبادرته ولبّت دعوته من منطلق أن أي مسعى لتوحيد الصفوف يجب تلقفه ودعمه وتشجيعه.
ولا ينطلق “الأحرار” من أي حسابات خاصة وفئوية، وفي كل تاريخه كان يبدّي المصلحة الوطنية العليا على أي إعتبار آخر، من الرئيس المؤسس كميل شمعون الذي حفر عميقاً في صميم الوجدان اللبناني والمسيحي وبقي شامخاً مدافعًا عن لبنان السيادة، مرورًا بالشهيد داني شمعون الذي حمل لواء القضية في ساحات الشرف والنضال، وصولاً إلى الريِّس دوري شمعون الذي واجه النظام الأمني بسلاح الموقف والجرأة الإستثنائية وفتح “بيت الأحرار” في السوديكو للمعارضة السيادية وهمه دائمًا التوفيق بين مكوّناتها وصفوفها سعيًا إلى إخراج الجيش السوري من لبنان وإعادة الإعتبار لمشروع الدولة، واليوم مع السيد كميل دوري شمعون الذي يُكمل المسيرة نفسها، مسيرة الوحدة على مستوى الموقف والصف من أجل بلوغ الأهداف المنشودة بدولة سيدة وحرة ومستقلة.
ودعوة الأحرار لإنشاء جبهة سيادية لا تعني بالضرورة أن هذه الجبهة ستتشكل فورًا وتبدأ بترجمة لائحة الأهداف التي وضعتها، وفي حال نجحت بأن تتشكل يكون أمر حسن وجيد، ولكن ولادة الجبهة لا تعني أيضًا أن الطريق أمامها مزروعة بالورود، فما بين إنشاء لقاء “قرنة شهوان” وإخراج الجيش السوري من لبنان حوالي خمس سنوات، إلا أن الأساس يكمن في الدينامية التي ستطلقها، كما يكمن في الإنطلاق من مكان معيّن أي من نقطة إنطلاق تشكل بداية تراكم نحو بلوغ الأهداف المرجوة.
فأهمية لقاء «الأحرار» إذاً تكمن بأنه بداية وترجمة لفكرة من دونها لا يمكن تحقيق اي هدف، ويعني بقاء الفريق المغيِّب للدولة هو المُسيطر، فيما من الخطأ المبالغة في التوقعات، كما من الخطأ الإفراط في التشاؤم، ومن الخطيئة بمكان التعامل مع هذا الإستحقاق بخفة واستلشاء ورفع عتب، لأن إنشاء الجبهة هو مهمة لبنانية سيادية ملقاة على كل من يضع الهمّ الوطني أولوية، والجبهة هي أولوية الأولويات، ويجب التعامل معها كمسار لا محطة، أي مسار طويل في مسيرة النضال من أجل لبنان الإنسان والحرية.
شارل جبور – رئيس جهاز الإعلام والتواصل في «القوات اللبنانية»
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
