#adsense

التضامن… حتماً

حجم الخط

 

يشيرُ “إبن خلدون” الى أنّ النّاسَ المَفطورين على الإجتماعِ، والتّعاون، لا يمكنُهم تحقيقُ غايةِ وجودِهم الإجتماعيّ إلّا بالتّضامن. فالتّضامنُ، في دقيقِ فصولِه، هو علاقةٌ حضاريّةٌ تنشأُ بين مجموعاتٍ تَتَّصِفُ بالحسِّ الإجتماعيِّ الرّاقي، من هنا، فهو قيمةٌ أخلاقيّةٌ واعيةٌ في سَربِ المجتمعاتِ غيرِ المُنطَوِيَة. ويرى بعضُ السّوسيولوجيّين أنّ التّضامنَ هو تَلاقُحٌ، إنْ حصلَ، يُثمِرُ عملاً بأكثرَ من عقل، فيُسهِمُ في بناءِ مواطنةٍ مَنيعةٍ، ويعزِّزُ مواكبةَ التَطوّر. أمّا عندَنا، حيثُ اعتادَ النّاسُ على الشَّطَطِ، ورُوِّضوا على الخِلاف، فالتّضامنُ ليس سوى أداءٍ إسعافيٍّ لِرَتقِ الخُروقِ، انتصاراً لقضيّةِ الحقِّ في البقاءِ، وكَبْحاً لمصائرَ مكروهة، لذا، ربّما يكونُ صَحواً بعدَ عَصف، وصَفواً بعدَ كَدَر، ومجالاً بعدَ ضيق.

إنّ المجتمعَ المُصابَ بالفِصام، والذي يقيمُ في حالٍ معزولةٍ في الزمانِ والمكان، ينأى عن حدودِ المنطقِ والنَّفع، ويصاحبُ العدائيّةَ والنُّفورَ والإِقصاءَ، فيغفلُ عن تَذَكُّرِ الصحّةِ في وقتِ المرض، والرّجاءِ في وقتِ الضّيق، والثّقةِ في وقتِ الهَوان. هذا المجتمعُ، حَوَّلَ الغُبارُ أذهانَ ناسِهِ حَطَباً، وحَواسَهم تُراباً، فَنُسِلَ سلوكُهم من خيوطٍ مُقَسّاةٍ بالجَّفوةِ، وباتَ التقاؤُهم بالغَيرِ واضحَ البُطلان. لهذا، كان المجتمعُ يَعلَمُ أنّ حقدَهم سليطٌ، مغَلَّفٌ بالقساوةِ، فانكسرَ قلبُهُ، وكَتَبَ وصِيَّتَه.

من الطبيعيّ أن ينتابَ البعضَ خَوفٌ من أن يتحوَّلَ التّضامنُ الى تَضامُمٍ يوقِعُ ضَرَراً في كيانيّةِ المجموعاتِ المُختَلِفَةِ إِثنيّاً، وعقائديّاً، أو داخلَ الشّرائحِ ذاتِ المُعتَقَدِ الواحدِ، والإستراتيجيا الوطنيّةِ الواحدة، على مستوى ذَوَبانيّةِ أدناها بأعلاها، أو أَضعَفِها بأَقواها. والخَوفُ، في هذا المجالِ، مُبَرَّرٌ استناداً الى وقائعَ تاريخيّةٍ موثَّقَة، والى مجرياتٍ في بلدِنا، لم تكنْ مثاليّةً، وإِنْ كان بعضُها إلزاميّاً.

أمّا في هذه الحقبةِ المأزومة، فالدّعوةُ الى التّضامنِ مُلِحَّة، إنْ على الصَّعيدِ المسيحيّ، وإنْ على مستوى الشّرائحِ المذهبيّةِ والطّائفيّةِ التي تَدينُ بالولاءِ للبنان، في مواجهةٍ للقوى ذاتِ الخُطَطِ التّدميريةِ، والتي تسعى للإنتقالِ بالوطنِ الى نوعٍ من النّيوفاشيّةِ الممقوتة، وهي نظامٌ إرهابيٌّ يقضي على مبادئ الحريّةِ، والعدالةِ، والحقوق. لكنّ المواجهةَ بالتّضامنِ تتطلَّبُ انصرافاً عن المصالحِ الضيّقةِ، وتَحَوُّلاً الى غيريّةٍ عفيفةٍ، وإنّ عَدَمَ التّلاقي على هذا الحِراكِ، يعني تغليبَ طابعِ الجنايةِ على ملفِّ الوطنِ بالذّات، ما يؤكِّدُ، وللأسف، أنّ البعضَ لا يعبَأُ بمصيرِ بلدِهِ، وأهلِه، بِقَدرِ ما يهتمُّ بتَأَلُّهِهِ الشّخصيّ، وما خطاباتُهُ سوى أكاذيبَ شعبَويّةٍ ليس إلّا.

واضحٌ أنّ أيّاً من قوانين الإنتخابِ التي عُمِلَ بها، انتهاءً بالقانونِ الأخيرِ الذي أُجرِيَت حَسبَهُ الإنتخاباتُ الماضية، ليسَ القانونَ الأَمثَلَ لإدارةِ الإستحقاقِ الإنتخابيّ. فقد غَلَّبَ بعضُ هذه القوانين المذهبيّةَ على الوطنيّة، وهمَّشَ بعضُها الآخرُ الحيثيّاتِ الضعيفةَ أمامَ التكتّلاتِ الكبيرة، وما سوى ذلك. إنّنا بحاجةٍ الى قانونٍ يحقّقُ العدالةَ التمثيليّةَ لكلِّ مكوِّناتِ المجتمع، وفي طليعتِها جزءُ الوطنِ المغترِب، الذي عانى إجحافاً على مدى العُهود، وأُقصِيَ عن مشاركةٍ مُحِقَّةٍ لتحديدِ المرجعيّةِ الشّرعيّةِ في التّمثيلِ والتّشريع.

إنّ المبادرةَ، اليوم، للتّضامنِ الوطنيِّ، ليسَت جَيباً مرقوعاً، كما يوصِّفُها بعضُهم مِمَّن يُغَلِّبُ الحقدَ على التّلاقي، لكنّها خطوةٌ للهدى من ضلالِ الخطايا التي أذاقَتنا طَعمَ الرَّماد. إنّ عَودةَ الوَعيِ الى لاوَعْيِ هؤلاءِ الذين، بأنانيّتِهم العَوراء، ساهموا في التَّشَرذُمِ السَّرطانيِّ الذي انسحبَ على بُنيَةِ الوطن، وعجَّلَ في المنحى الإنحداريِّ السياسيِّ، والكيانيّ، ستكونُ نقلةً من واقعِ الإحباطِ، والشكِّ، وإخراجَ لبنانَ من جلدِ الأَفعى، الى نكهةِ السيادةِ، والكرامةِ، ومشهديّةِ الوطنِ الذي نريد.

إنّ تضامنَ القياداتِ النّاشطةِ التي لم يَعُدْ مُلتَبِساً عليها الوضعُ الرّاهن، تُشبِهُ جائعاً ضالَّتُهُ رَغيف. فالمجتمعُ المُعوَزُ الى النُّهوضِ، وقد قَبَّحَت وجهَهُ السّلطةُ الجائرة، وساقَهُ المُرتَهَنونَ الى الهاويةِ قَهراً، ليس بحاجةٍ الى مزيدٍ من الخبثِ، والخِزيِ، والظّلمِ، والشَّلَلِ، وقد عايَنَ حكّاماً خلعوا براقعَهم فبَدَتِ الذّئابُ أكثرَ رحمةً، وخَبِرَ مسؤولينَ لا يهتزّونَ ولَو وقعَ اليتيمُ بين أنيابِ الأُسود. لقد عايشَ مجتمعُنا تداعياتِ الإهمالِ، وغَصَّ بالآفاتِ المريرة، ونازَعَ يأساً، وهذا رَصدٌ دقيقٌ لحلقاتِ وَجَعِ الناس، وليس صورةً لِشِبهِ الحقيقة. لذا، عودوا، يا مَنْ تَتوقونَ الى الخلاص، الى إحياءِ التّضامنِ، ولو كان رَميماً، والتزِموا بهذا الإنجازِ الوطنيِّ الذي، وحدَه، يحجبُ تَلاشي الأمل، ويمنعُ سقوطَ العودةِ الى معانقةِ الوطنِ في مصالحةٍ يَصدقُ معها الوعدُ باليومِ الثالث.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل