المحبة والبعض من قياديينا

لن أسترسل في مقاربة فلسفة اللاهوت، وهي علمٌ يثب بالعقل الى فهم طبيعة الله، منشغلاً بوجوده الذي يزيل الشك، متقصياً فسحات الألوهة المهتمة بالمخلوقات، وبمستوى حظوظها عند باريها. وهذا، بالذات، ما يخول الباحث كشف مخبآت الخلق، بدءاً من صنع آدم بالطين، وتثبيت الروح فيه، حتى قرار افتدائه العجيب.

هذا الينبوع الذي تفيض منه الإيديولوجية الكونية، أقطف من قطعاته حركة المحبة، متسائلاً كيف تسللت، وهي السماوية، الى آدم وهو مادي، لتستقر في كيانه الى الأبد؟

لقد اعتبر المشتغلون بالأسرار، كالإيمان مثلاً، أن المحبة معقدةٌ لا يمكن ضبطها بشرح، أو تقييدها بعلاماتٍ، أو التعامل معها برموز. لكنهم قولوا قرائحهم وصفاً نسج للمحبة رداءاتٍ طرزت جمال صورتها، لتنسحب على فهم الناس، وهي اللغة الكونية العابرة للزمان وللمكان.

المحبة هي حضارةٌ غير مكتوبة، منذ ما قبل عصر النبوات، لن يبقى، بعد زوال المادة، سواها. وحدها قادرةٌ على إخراج العواطف من معاقلها، فوترها طيعٌ، وبصماتها وحداوية النغمة، وهويتها أثرٌ وليست نمطاً، لم يسبق إليها أحدٌ في تفتين النفس حتى أعماقها، لذا، أوصى الله بها. ولأنها حازت على توصية الله، جعلت الإنسان، بإحساسه، يفهم الجمع بين المادي والجوهر، بمعنى أنه، بها، فتق الإعجاز، ليرث ذوقاً لا يموت.

المحبة ثورةٌ فازت على المستحيل، لأنها، فينا، وكيلة السماء. لكنها منيت، عندنا، بتائقين الى البغضاء، والحقد، والخبث، ولم تغلب عليهم نزعتها الآسرة، فكانت، معهم، منقوصة الحظوظ. هؤلاء فقدوا قلوبهم البصيرة في صنعة المحبة، فكانت هذه، معهم، عاقراً، لم تظهر ظهوراً مبهراً، لأن الإغواء كان للنزعة الأنانية المنطوية التي لم تشبع، مرةً، كبداً. هؤلاء مزقوا بشفار لهاثهم النرسيسي رقرقة المحبة، وجعلوا شعاعها الملون للمشاعر يتكئ على نصال الحزن.

المحبة بها، دوماً، جوعٌ الى وجود، ليمتد نفسها الى مدىً إنساني شامل، فيكون، بحد ذاته، عالماً. لم تكن نظماً خواطره خامدة، إنما هي صفاءٌ مصدره ذات الله، ونعمةٌ عظيمة القدر، لم يقع مثلها إلا في الندر، لأنها أليفة الأحاسيس، تخاطب الوجدان بدعوات الرجاء التي تماثل تراتيل المتدينين على فكرة حمد الخالق. والمحبة خبزٌ صلب العود، كالنبل عند الفقراء، لكنها لم تبلغ، عندنا، حد الإرتياح، فالبعض من قياديينا كان همه تسلق أدراج المراكز ليخزن ذاته في خلعها، ملتمساً الكيدية، والتصنع، والتزويق المبهم، ولم يكن بينهوبين المحبة مؤانسة، فاعتقد أن المصلحة له أوفر.

المحبة هي الشواطئ التي تسكر الروح، فهي متحدةٌ بها بما يشبه الحلول، فلا يذبل عطرها طالما هي في القلب. أو هي حركةٌ تحريريةٌ من جسدانية الشهوات، وعوالم الشر، لذا، هي حالةٌ فوإنسانية تأتي ما لا يستطيعه أي شعور، وتنتجه أي طبيعة. إن من مشى أشواطاً بالمحبة، وكرسها رسالته، خزن، في قلبه، ثروة الفرح، وجمال الوجود، فمتن الخير صلته به، واندمجا في عشقٍ طاهر.

في تاريخنا، أيامٌ سودٌ لصيقةٌ بالتحجر، فيها جرحٌ بالغ النزف لم تضمده وعودٌ، ولا حراكٌ التهم بعض قادته أطباقه فبات عارياً من أي أمل. إذا تنقلنا، من مقطعٍ الى مقطع، في معجم ثورتنا، وتطلعنا الى أعواد الهموم، نقع على زلاتٍ، وعوراتٍ، وآفاتٍ، جعلت مصالحة البعض المتطفل على الثورة، مع المحبة قاتمة اللون، فالتلوث الخلقي دمر القيم، وهؤلاء المتطفلون الذين حملوا مشعل الثورة،غابت عنهم المصداقية، فما عادت “رجولتهم ” كغضب فينيقيا، ولم يعد عصفهم اقتحاماً لأملاك الشياطين، ولم تعد يقظتهم لحظاتٍ تترجم لدهور، ولم يعد واحدهم إلفاً للصدق قولاً وحياة. وكأنهم بحاجةٍ الى دليلٍ ينقب عن أي أثرٍ للمحبة في ذواتهم، فلا يصادف إلا التحجر، والبغض، والعتمة، ومسافات الوحل.

يا هذا البعض من القادة، عسى ألا تموت الثورة النبيلة في نفسك، وكي تعود الى مسقط رأس المحبة، إعلم أن الله لم يبك،عندما صلب يسوع، لكنه، عندما صلبت أنت المحبة، بكى.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل