الجمهورية القوية بين الحلم والممكن

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1721

من بشير إلى سمير…

تغيّرت ظروف والنبض واحد

الجمهورية القوية بين الحلم والممكن

 

ذاكرة المقاومة اللبنانية التي تقود «القوات اللبنانية» مسيرتها، ذاكرة فريدة في التاريخ اللبناني لأنها في مرحلتها الحديثة قصيرة في الزمن، كثيفة في المضمون، وتضم مفاصل مصيرية ترتبط بوجود وطن وشعب وقضية حرية. والذاكرة ليست مجرد حنين وخزانة وقائع، بل هي حاجة حتمية لا سيما عندما تتعلق بالأمم والشعوب والمجتمعات، لأنها توفر مرجعية لا بد من اللجوء إليها والبناء عليها في أحيان كثيرة، لكن جانبها الخطر يتمثل في مقاربتها هامشيًا أو إنتقائيًا أو عاطفيًا من دون إعتبار للتحوّلات وتغيّر الظروف والمعطيات والأشخاص والمفاهيم، الأمر الذي يفضي إلى خيبات ومقارنات بائسة وخاطئة واستنتاجات محبطة أحيانا. ولذلك، لا بد من مقاربة دقيقة وواعية وحذرة وجريئة في آن واحد لظاهرة بشير الجميل القائد المؤسس والذي استطاع ولوج الدولة من صلب المقاومة إلى موقع الرئاسة، بهدف تحقيق حلم الجمهورية القوية والعادلة والمتوازنة والسيدة.

 

لقد كان لدى بشير مشروع واضح في معظم جوانبه، ولو رأى البعض لجهل أو لسوء نية أن ثمة ضبابية في جوانب أخرى، إن بالنسبة للنظام أو بالنسبة للمعادلات الداخلية والعلاقات الخارجية. لكن الأكيد أن بشير الجميل كان رجل دولة ومؤسسات بقدر ما كان قائدًا عسكريًا وسياسيًا كاريزماتيًا قاسى الحرب وآلامها وخاض غمارها وتحدياتها بمرارتها وعنفوانها.

بل يصح القول إن بشير قائدًا لـ»القوات»، قدم نموذجًا لدولة على قياس رؤيته للواقع اللبناني والحلول الملائمة لمعضلات هذا الواقع. مؤسسات للتخطيط فكرًا وقراءة ومشاريع وبرامج، تنظيم يتميّز بالإنضباط واحترام القواعد والأصول، حلقات تشاورية تجمع أهل الفكر والدبلوماسية والثقافة، أجهزة دبلوماسية واقتصادية واجتماعية وإعلامية، وقبل ذلك كله، تطلع دائم إلى أهداف استراتيجية يجمع بين «الواقعية الطموحة والطوباوية المنطقية» إذا جاز التعبير.

لم يُخفِ بشير في عز سطوعه السياسي، لا سيما بعد معركة زحلة، تمسكه بلبنان الوطن بكامل أراضيه التي ذهب إلى حد تحديدها بالكيلومترات المربعة ليجعل من ال10452 شعارًا لجمهوريته التي هي الجمهورية اللبنانية الناجزة السيادة. بل إنه في خطابه العام كان دائمًا يركز على الصفات اللبنانية ولو أحياناً من منطلق مسيحي بحكم الأمر الواقع الناجم عن إستهداف دائم وهجوم مستمر وحصار محكم على مساحة الحرية التي كانت تُسمّى مناطق شرقية أو مسيحية.

لقد أسس بشير القوات «اللبنانية» وطرح شعار ال10452 وكان يتحدث دائمًا عن المقاومة «اللبنانية» واستظل ومثّل العصب العسكري ومن ثم السياسي للجبهة «اللبنانية» وأسّس المؤسسة «اللبنانية» للإرسال وإذاعة «لبنان» الحر، ومؤسسة «هلب ليبانون» أي ساعدوا «لبنان» وكان طموحه المشروع أن يكون رئيسًا للجمهورية «اللبنانية» وليس لدويلة أو كانتون، ولم يعمل على احتواء الدويلة للدولة، بل عمل على احتواء «القوات» في الدولة على عكس ما هو حاصل اليوم من قبل «حزب الله».

وعند وصوله إلى الرئاسة لم يتأخر في إسقاط رؤيته للدولة والمؤسسات على ما بقي في حينه من دولة ومؤسسات، فاختصر بخطابه الحاسم وبهيبته وصراحته وشفافيته مسافات من إنتظار مفترض أو مراوحة طويلة متوقعة، وبدأ بإطلاق النار المباشر على الفساد ومن خلاله على رؤوس الفساد وعلى كل من يضع ماء الإرتهان في نبيذ أولوية الوطن.

لم يأتِ بشير لينقض بل ليكمل، فتهمة تقسيم لبنان رد عليها بشعار ال10452، وعنوان الإصلاح والقضاء على الفساد لم يطرحه مجرد شعار، بل أطلقه عمليًا في كلمته رئيسًا منتخبًا من تلفزيون لبنان عندما حذر كل مسؤول وموظف من أنه لن يعرف «وين ألله رح يحطو» عند أي مخالفة أو سرقة أو رشوة، فأثبت أن الدولة لا ينقصها قوانين وإجراءات، بقدر ما ينقصها هيبة.

ولذلك فإن جمهورية بشير كانت في الواقع مشروع الجمهورية القوية، وكان بشير مشروع الرئيس القوي. واليوم عندما تطرح «القوات اللبنانية» عنوان الجمهورية القوية، فهي الجمهورية التي حلم بشير بإرساء دعائمها، وعندما يتحدث سمير جعجع عن الرئيس القوي، فهو لا يقصد أبدًا مجرد شعار للإختباء وراءه مزايداتٍ وعراضات تغطيةً للإرتكابات والموبقات والجشع والإرتهان، بل إنه يقصد الرئيس السيادي والإصلاحي القوي، كما جاء في برنامجه الانتخابي الرئاسي في 16 نيسان 2014، وكما أوضحه منذ فترة، باعتبار أن الرئيس القوي ليس حتمًا الرئيس الذي يصطدم مع الجميع ويسعى إلى إختصار تمثيل بيئته إحتكارًا واستئثارًا، وليس الذي يلعب على الوتر الطائفي تحت شعار الحقوق والصلاحيات، فقد «انتُخب ميشال عون على أساس الرئيس القوي، علمًا أن حقوق المسيحيين هي في قيام دولة قوية في لبنان، فأين الدولة القوية اليوم؟»

مع سمير جعجع لم تختلف «القوات» في رؤيتها ومبادئها وثوابتها السياسية عما كانته مع بشير، بل إنها هي هي في التأكيد على أولوية السيادة للدولة وعلى الوفاء للشهداء من خلال بناء الدولة التي تمنع عودة الحرب والتدخلات الخارجية، فضلاً عن الموقف الحاسم من الإصلاح الجذري ومكافحة الفساد.

على أن من الأهمية بمكان التنبّه إلى منحى البعض وربما بسوء نية أو بتذاك، للمقارنة بين بشير وسمير وقوات بشير وقوات سمير، وهو أمر لا يصح ولا يجوز عندما ينطلق من معطيات خاطئة ولا تتصل بالواقع، بل تغرق في المزايدة والجهالة. ففي زمن بشير، كانت «القوات» قوة عسكرية تملك السلاح وتسيطر على المنطقة الحرة بأسرها، ولم يكن هناك دولة إلا على مستوى الهيكل شكلاً، وكان المسيحيون ديموغرافيًا وسياسيًا غير ما هم عليه اليوم، وكانت المعادلات الدولية مختلفة تمامًا عن المعادلات الراهنة. والأدهى أن ثمة من يحاول اللعب على مسألة تسليم سلاح «القوات اللبنانية» بعد الطائف كخطأ وخطيئة، علمًا أن المسألة لم تكن خيارًا، بل كانت تطبيقاً لقرار دولي كبير لا يمكن التنصل منه، وإلا لكانت شهدت المناطق التي تسيطر عليها «القوات» ما شهدته المناطق التي كان يسيطر عليها ميشال عون، وانتهى الأمر إلى كارثة مضاعفة مرات عدة. ولا طائل من العودة إلى الجدل حول اختيار عون آنذاك رئيسًا للحكومة العسكرية، ورفضه دخول الرئيس رينيه معوض إلى قصر بعبدا مع الحفاظ على الخطوط الحمر حول المناطق الحرة، لتأمين إنتقال متوازن للسلطة بدلاً من جر المسيحيين إلى خسارة الحرب.

مع سمير جعجع، وبعد أعوام الإعتقال والتنكيل والحل والقمع والمنع، عادت «القوات اللبنانية» لتنتفض من جديد وتبني من جديد، سعيًا إلى الجمهورية القوية، لا سيما وأن ثورة الأرز التي تكللت بخروج الحكيم من المعتقل، جاءت تتويجًا للشهادات الغاليات والتضحيات الجسيمة لشعب بأسره، وعلى رأسه بشير الجميل ومعه ضمة من القيادات والرموز الوطنية والآلاف من الشباب الذين بذلوا حياتهم من أجل لبنان الحر السيد المستقل.

الجمهورية القوية اليوم عنوان برسم البلورة، كما كانته مع بشير. والفارق أن الظروف مختلفة بنسبة كبيرة والمعادلات الداخلية والخارجية أشد صعوبة، ولذلك التحدي أصعب. ومع ذلك، لا توفر «القوات» فرصة إلا وتخوضها من أجل لبنان الوطن والدولة. فسمير جعجع في برنامجه الرئاسي عكس رؤية فريدة وتطلعات جمعت بشكل لافت بين الجمهورية الحلم والجمهورية الممكنة. لقد طرح منذ نيف وسبع سنوات في إطار التنبيه والعناوين المرتجاة للحل، ما نحن نعيشه اليوم تمامًا. تحدث عن الحالة المذرية التي بلغها لبنان، والقلق العميق تجاه الدولة والحاضر والمستقبل والهواجس مما يتم التحضير له في العلن وفي الخفاء، وعن إحباط الشباب وغضبه وسعيه الى الهجرة بحثاً عن فرصة عمل أو هربًا من واقع مأزوم اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا.

تحدث سمير جعجع عن إعادة قرار الدولة للدولة وعن عودة الدولة دولة، فالدولة هيبة وهيبة الدولة من هيبة الرئاسة. كلام يؤمن به سمير جعجع وتسعى إلى تجسيده «القوات اللبنانية» على مختلف الصعد، كلام بنفحة وروح بشيريتين، وتاليًا بنفحة وروح لبنانيتين صافيتين.

لقد نجح سمير جعجع كرئيس لـ»القوات»، ولأول مرة بعد بشير، في أن يكون المرشح الأبرز لرئاسة الجمهورية خلفاً لميشال سليمان كمرشح ل14 آذار، أو لمعظم قوى 14 آذار مع جنوح وليد جنبلاط في حينه إلى «الوسطية»، فنال العدد الأكبر من الأصوات في ظل المقاطعة أو الإمتناع عن التصويت لمنافسيه، ولو استمرت 14 آذارعلى تماسكها لكان هناك كلام آخر.

لقد أثبتت التجارب أن الرئيس القوي، هو القوي بلبنانيته وبهيبته وبنظافته، علمًا أن قوته في بيئته مهمة عندما تقترن بما تقدم. ولذلك الجمهورية القوية ينبغي أن تكون الملهم لأي خيار ديموقراطي سواء أكان رئاسيًا أو نيابيًا، وهذا مغزى الإستحقاقين المقبلين للنيابة والرئاسة، وهذا مغزى مواقف سمير جعجع و»القوات اللبنانية» كي لا تضيع الفرصة تكرارًا أمام الإنقاذ والخلاص، وإلا نكون أمام إحتمال ضياع الوطن والدولة والجمهورية.

عندما أنشأ بشير الجميل المؤسسات الناجحة في إطار «القوات اللبنانية»، لم يكن يفكر برئاسة الجمهورية، بل قام بما اعتبره مناسبًا ومفيدًا للمجتمع، لكن رؤيته المؤسساتية شكلت نموذجًا بما ينبغي أن تكون عليه الدولة أداء وشفافية وخدمة عامة، وهذا ما تبناه وطوّره سمير جعجع عندما تسلم قيادة «القوات»، إذ أضاف مؤسسات جديدة في التوجه ذاته، وهو ما زال على قناعته اليوم من خلال مؤسسات ومبادرات هدفها التعويض عن التقصير الفاضح لدى الدولة بسبب من يمسك بزمامها، وهي مؤسسات ومبادرات تعمل أو تتم من ضمن الإمكانات المتاحة لكنها تقدم مثلاً ومثالاً للأداء النظيف والإدارة الرشيدة والتنظيم الدقيق في إطار التخصص والكفاءة، سواء إجتماعيًا أو معيشيًا أو صحيًا أو تربويًا أو إنمائيًا، لدرجة كم من الأخصام أو المحايدين ينوّهون بأداء «القوات» واحترافها التنظيمي كنموذح يُحتذى لبناء الجمهورية، ويعتبرون أن معراب تمثل وجها معبّرًا لما ينبغي أن تكون عليه الدولة التي تتخبط بالضياع والتفكك نتيجة الأداء المريع لحلف الفساد والدويلة.

 

أنطوان مراد – مستشار رئيس حزب «القوات اللبنانية» لشؤون الرئاسة

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل