Site icon Lebanese Forces Official Website

بكركي فكر وثورة

لو لم تكنِ بكركي، لكانَ الوطنُ في مِحنة، فعندما ثَقُلَ عليها حبُّها للأرض، جمعَت في نضالِها كلَّ الكرامةِ، والعِزَّةِ، والأَنَفَة، وكانتِ الأَعرَفَ في مُحاوطةِ الوطنِ بالسّلامةِ، والحريّةِ، والرَّفعة، فتقَلَّدَ الجميعُ من يَدِها. لذا، اعترفَ، مَنْ بهم شَمَمٌ، بأنّ بكركي هي اللّحظةُ النادرةُ في تاريخِ لبنان.

بكركي هي صَونٌ لمَجدِ لبنان، أُعْطيها لأنّها لم تتنشَّقْ سوى عنفوانِ أرزِه، فبينها وبينَه التحامٌ مُفرَط، لأنهما يشتركانِ في طبيعةٍ واحدةٍ، هي العَملَقَة. عندما دقَّت ساعةُ الحقيقةِ فوقَ مساحةِ الوطن، وكشَّرَت مؤامرةُ تَهشيمِ صورتِهِ عن أَنيابِها، باستباحةِ المؤسّسات، وتَقويضِ السّلطة، ووَضعِ اليَدِ على الدولة، دقَّت بكركي جرسَ الإنذار، وأطلقَت موقفَها الدّاعي الى الحياد، والذي، وحدَه، يُنقِذُ لبنانَ مِمّا يُعَدُّ له من كوابيسَ أَوضحُها استبدالُ شرعيّةِ نظامِهِ بشُرعةٍ هجينةٍ، دَخيلةٍ، ممجوجةٍ، ومُلَوَّنةٍ بغيرِ لونِ الوطن.

إنّ العاملَ الأهمَّ في ترسيخِ العلاقةِ بين بكركي ولبنان، والذي توالَت فُصولُهُ خلالَ قرونٍ، هو نضالُ المَقامِ، وأَسيادِهِ، لنصرةِ حقِّ الوطنِ بالوجودِ حرّاً، رائداً في بيئتِهِ، وليسَ مجرَّدَ رقمٍ مظلوم، أو إعلاناً فوقَ حائطٍ يُزالُ عندَ أَقَلِّ زَخَّة. لبنانُ، في ضميرِ بكركي، نَجمٌ غيرُ قابِلٍ للاختزال، وهو كنزٌ يُثري ذاتَهُ والآخرينَ بتفاعلِهِ مع التراثِ الإنسانيِّ الحَيّ، وبنَهجِهِ الحضاريِّ الخلّاقِ، وبتجذُّرِهِ في قلبِ التاريخِ النّاصِعِ المُحَيّا.

في ذاتِ لبنان، بكركي هي رئةُ الوطنيّة، لأنها لم تكنْ، يوماً، إلّا مُحَفِّزاً لتنسيجِ مفهومِ التّعاقدِ المُواطِنِيّ الذي يتبلورُ بمشاركةِ الجميع، فلا مُزاحمٌ للرابطةِ الوطنيّةِ في سلوكِها الذي يسعى الى تعزيزِ الهويّةِ الجامعةِ على حسابِ الهويّاتِ الفرعيّة، ما يُمَتِّنُ مبدأَ الانتماء الى الأرضِ مسكنِ البدنِ والرّوح. وقد تعلَّمنا من بكركي أنّه كما الأَلحانُ لا تُؤنَسُ إلّا بالشِّعر، فالهويّةُ لا تَطيبُ إلّا بالولاء.

إنّ سيّدَ بكركي قطبٌ آتٍ من القلق، قاربَ القضيةَ اللبنانيّةَ في بُعدَيها التَّكتِيِّ والإستراتيجيّ، باستحداثِ مُعجَمٍ ذي محمولٍ وطنيٍّ، يواكبُ ظروفَها بعقلانيّةٍ منفَتِحةٍ، ويستنهضُ الذّاكرةَ حتى لا تتكرَّرَ الأخطاءُ الجسيمةُ التي طالَت سلامةَ الوطنِ، وأمنَ مجتمعِه. إنّ دعوةَ البطريركِ الى الحياد، جعلَتهُ رأسَ حربةٍ حاداً، عاصِياً على التَّدجين، فتكوكبَ حولَهُ أصحّاءُ الوطنيّةِ، وهم كُثُرٌ، بالرَّغمِ من رَشقِهِ باتِّهاماتٍ واهيةٍ، مستَورَدَة، نعتبرُها رايةَ فخرٍ، لا وصمةَ عار.

أمامَ نَحرِ الحريّات، وتَشويهِ الديمقراطيّة، لم يَنزِعْ سيّدُ بكركي الى إعطاءِ صُكوكِ براءةٍ وطنيّةٍ للذين يصادرونَ، بالقوةِ، قرارَ الدولةِ تحتَ ذرائعَ غيرِ بريئة. وجاءَت رسالتُهُ، على مَرِّ العِظات، في اتِّجاهَين: إلى مَنْ يتَحَدَّونَ سيادةَ الوطنِ، بحُضورٍ يفسِّخُ النّسيجَ اللبنانيّ، وبسلوكٍ مُدَمِّرٍ لدولةِ المواطنة، وبهيمنةٍ تفرضُ إيديولوجيّةً مرفوضة، وكذلك، الى مَنْ تَرَبَّعَ في السّلطةِ التي أَبقَت لبنانَ في دائرةِ النّار. وإذْ ينبِّهُ البطريركُ المُستَقوينَ الى خطرِ زوالِ الكيانِ والذي سيطالُ الجميعَ، وهم منهم، يسألُ مَنْ في الحُكم: متى تبدؤون بإعادةِ إعمارِ وجودِكم؟

عندما يتكلّمُ سيّدُ الصَّرح، يُعيدُ الى مُعجَمِ الجمهوريّةِ كلمةَ ” مسؤوليّة “، بعدَ أن تَمَّ شَطبُها أو تَحريفُها، فاشتُقَّت، على أنقاضِها، مفرداتٌ طَغَت على خطابِ الكثيرينَ مِمَّن نَأَوا بأنفسِهم عن واجباتِهم، وتقاعَسوا عن صلاحيّاتِهم، فباتَتِ المسؤوليّةُ، معهم، تشوبُها الضبابيّةُ والتَّشويش. وفي ظلِّ الزمانِ الذي اشتدَّتِ المَكارِهُ في مَخالبِهِ، واقتُرِفَ ما حرمَ الناسَ حَلوى العَيش، جاءَت مبادرةُ البطريركِ، وتنبيهاتُه، كعلامةٍ تقرعُ بابَ الخطر، أو كنشيدٍ حماسيٍّ يؤَجِّجُ الوعيَ الوطنيَّ أكثرَ من ألفِ محاضرة.

إنّ مفهومَ الولاءِ هو مفهومٌ مِحوَرِيٌّ في سلوكِ بكركي، فلبنانُ هيكلٌ مقدَّسٌ لا يَصِلُ الى حَرَمِهِ إلّا سَليلو الوفاء. ولمّا كانت بكركي من حَظايا الوطن، لِما في مواقفِها من قِيَمٍ ودلالاتٍ هي مدماكُ مناهِجِ التّوجيهِ الوطنيّ، فإنّ التَّماهي بين بكركي والوطن هو لوحةٌ تُشعِرُ بهزَّةٍ وجدانيّةٍ، أو حالةُ وَعيٍ ونُضجٍ تتحرَّكٌ لحمايةِ قيمةٍ ربّما تعرَّضَت للانتهاك. ومردُّ ذلك الى أنّ لبنانَ، في خاطرِ بكركي، ليسَ صَنَماً باهِتاً ينحتُهُ إزميلٌ وَثَنِيٌّ، بل هو نَبضٌ يُحرِّكُ عزَّةً لا يُتَنازَلُ عنها، من هنا، فإنّ ما يجري في عروقِ بكركي من نضالٍ عنفوانيٍّ، يُصَحِّحُ ما قالَهُ ديكارت بِـ: “أنا أُوالي وطني، إذَن أنا موجود”.

Exit mobile version