سركيس: من مقاعد النضال الى الوزارة… لولا تضحيات الشهداء ما بقي لبنان

كتب الوزير السابق جو سركيس في “المسيرة” – العدد 1721

محطات نضال لم تهدأ من ستينات القرن الماضي حتى اليوم، تخللتها أزمات وتضحيات ومخاطر، ومهمات راوحت بين العلنية والسرية، كان أبرزها في فترة الحرب، ثم فترة إعتقال الحكيم، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الـ2005. بدأت المسيرة من مقاعد الدراسة ولم تنتهِ بمقاعد الوزارة. كنت فيها مناضلاً طالبياً نقابياً وأصبحت مع الوقت في الصفوف الأمامية على جبهات مختلفة، زادتني قناعة بعدالة قضية «القوات اللبنانية» وأنه لولا تضحيات هذه المجموعة وشهادة الشهداء لما بقي لنا لبنان.

 

الإنطلاق في السياسة والنضال

عام 1965 إنتسبت إلى حزب الكتائب اللبنانية وكنت تلميذاً في مدرسة الفرير الجميزة. تدرجت من ناشط ورئيس خلية في مصلحة الطلاب (المدرسة ثم الجامعة) إلى رئيس مصلحة الشؤون الإعمارية أي المهندسين في العام 1984، وصولاً إلى عضوٍ في المكتب السياسي بدءاً من العام 1989 من حصة ما كان يُعرف بقوات الكتائب.

 

مرحلة ما بعد إتفاق الطائف

شاركت كواحد من ممثلي الخط القواتي ضمن حزب الكتائب في الكثير من اللقاءات والحوارات والخلوات التي كانت تُعقد بين عامي 1990 و1992 بغية تقريب وجهات النظر بين «القوات» والكتائب نتيجة تباين المواقف بين الطرفين على الخيارات الاستراتيجية والسياسية، مع البدء بتطبيق إتفاق الطائف، لكنها باءت بالفشل. فكانت الإنتخابات الحزبية في العام 1992 مناسبة لحسم الموضوع. ترشحت مجددا على لائحة الدكتور جعجع وفزت بعضوية المكتب السياسي الكتائبي على وقع خيانة معروفة وضغوط كبيرة مورست من بعض المسؤولين الأمنيين المعروفين على عددٍ من الناخبين إستهدفت الدكتور جعجع.

 

مرحلة الإنتقال التنظيمي إلى «القوات اللبنانية»

على ضوء نتيجة الإنتخابات قررنا مع الدكتور جعجع في مطلع العام 1993 إنشاء معارضة بإسم هيئة الإنقاذ الكتائبية التي ضمت عددًا كبيرًا من الكوادر الحزبية. لكن الدعم المقدم من النظام اللبناني السوري إلى قيادة الصيفي من جهة، وبدء تضييق هذا النظام على «القوات» ومؤسساتها من جهة أخرى، أدت إلى إتخاذ القرار بعدم الإستمرار بهيئة الإنقاذ بل بالإنخراط تنظيمياً في «القوات اللبنانية». فانضممت إلى الهيئة القيادية لـ»القوات» برئاسة الدكتور جعجع في غدراس وعُيِّنت مسؤولاً عن قطاع المهندسين.

عايشت مرحلة إنتقال «القوات اللبنانية» من تنظيم عسكري خلال الحرب إلى حزب سياسي خلال السلم، حيث شاركت في معظم المناسبات والنشاطات السياسية والفكرية والنضالية في ظل ظروف صعبة، نتيجةً لرفض «القوات» التطبيع مع النظام اللبناني السوري القائم. ومن بين هذه المناسبات، مشاركتي ضمن وفد قواتي برئاسة الدكتور جعجع لتقديم التعازي في القرداحة سوريا في مطلع العام 1994، زيارة كان لها بعد إنساني بحت، إستُقبل خلالها الدكتور جعجع والوفد المرافق بحفاوة واحترام قبل أن نكتشف فيما بعد سوء نوايا وخبث هذا النظام مع»سيدة النجاة» ثم مع حل الحزب والإعتقالات التي رافقتها وتلتها.

عشية إعتقال الدكتور جعجع كنت موجوداً إلى جانبه في غدراس مع بعض المقربين، بينهم الراحل زاهي البستاني المدير العام الأسبق للأمن العام.

 

«يسوع الملك» والنضال الشرس

بعد اعتقال الحكيم في 21 نيسان 1994 إنتقلنا مع النائب ستريدا جعجع إلى المقر الجديد في منطقة يسوع الملك حيث شكلنا، بعد استيعاب الصدمة، خلية نضال وعمل تكوّنت من رفاق شجعان وأوفياء. وتحولت هذه الخلية إلى هيئة قيادية موقتة برئاسة النائب جعجع. وكان تحركنا يهدف إلى تحقيق أمرين أساسيين:

متابعة موضوع إعتقال الحكيم وسائر الرفاق من النواحي القانونية والأمنية والسياسية والإنسانية.

إبقاء شعلة «القوات اللبنانية» مضاءة في وجه السلطة التي كانت تسعى إلى إطفائها، بانتظار الإفراج عن الحكيم وعودته حراً وسليماً إلى قيادة الحزب.

إستمرت هذه المرحلة أحد عشر عامًا وثلاثة أشهر. كانت الحركة خلالها كثيفة بحيث كانت تشمل، من بين النشاطات، إجتماعات شبه أسبوعية برئاسة ستريدا واحد للقيادة الموقتة وآخر لمنسقي المناطق والمصالح، بالإضافة إلى إجتماعات عمل مع المحامين وغيرهم من المعنيين. وكانت الزيارات الدورية عند الحكيم عدة مرات بالأسبوع من قبل ستريدا تارة والمحامين طوراً تشكل الموضوع الأساس للحركة الدائمة في يسوع الملك.

في هذه الفترة، تم تكليفي بعدة مهمات منها معلنة وأخرى سرية، كما جرت معي أحداث أذكر منها على سبيل المثل وليس الحصر:

إستمراري في مسؤولية قطاع المهندسين. وقد نجحنا، رفاقي وأنا، بدءاً من العام 1995 في تأمين حضور مميّز لـ»القوات» في نقابتي بيروت والشمال من خلال المشاركة في معظم النشاطات وأهمها الإنتخابات النقابية ترشيحاً وانتخاباً بحيث كان رفاقنا يحققون إنتصارات تكللت بانتخاب رفيقنا عماد واكيم في موقع أمين سر نقابة بيروت لأكثر من دورة. وبهذه المناسبة لا بد أن أستذكر الشهيد المهندس رمزي عيراني الذي كان مساعدي الأول وصاحب الدور الأبرز على الأرض. وعلى إثر إختطافه في أيار 2002 تم استدعائي مع عدد كبير من الرفاق المهندسين والطلاب الى التحقيق من قبل المحقق العدلي القاضي حاتم ماضي. بعد إغتيال رمزي نظمت مع عائلته والرفاق قداديس سنوية عن راحة نفسه في كاتدرائية مار جرجس في وسط بيروت، وكانت تضم حضورًا سياسيًا ونقابيًا وحزبيًا كبيرًا. وكان محور كلماتي السياسية إغتيال رمزي وقمع الحريات، مطالباً في كل مرة بالإفراج عن الدكتور جعجع.

في حزيران 1998 انتخبت عضواً في مجلس بلدية بيروت كممثل عن «القوات اللبنانية»، على الرغم من الضغوطات الكبيرة التي مارسها أهل النظام بدايةً لعدم ضمي إلى اللائحة التوافقية ثم شطب إسمي يوم الإقتراع. أما فوزي، فجاء نتيجة حصولي على فائض كبير من الأصوات في الأقلام المسيحية. إحتفل القواتيون بالنجاح بتنظيم مواكب سيارة في بيروت، مما أدى إلى استدعائي من قبل مدير مخابرات بيروت في مكتبه في منطقة المتحف للتعرف إليّ وتذكيري بأن نشاط «القوات» محظور، متمنياً عليّ في المقابل التوفيق في مهمتي البلدية.

خلال ست سنوات من وجودي في البلدية أديت الدورالمطلوب سياسياً وبلدياً وإنمائياً. ومن بين الإنجازات الكثيرة التي ساهمت في تحقيقها الحصول من المجلس البلدي على قرار بتسمية حديقة عامة باسم قداسة البابا القديس يوحنا بولس الثاني في المكان الذي أقام فيه القداس في وسط بيروت خلال زيارته لبنان في أيار 1997.

أمر آخر أود أن أذكره هو اللقاء الموسّع الذي دعوت إليه في حزيران 1999 في مدرسة الفرير الجميزة مع وزير الأشغال العامة والنقل آنذاك الصديق نجيب ميقاتي والذي حضره حشد كبير من القواتيين معظمهم من الطلاب. ظاهر اللقاء كان إنمائياً بلدياً، سرعان ما تحول إلى نقاش حاد حول الإستمرار في اعتقال الحكيم وكبت الحريات.

أصبحت منسقاً عن بيروت بعد العام 2000. على الرغم من الظروف القمعية السائدة، مثلت «القوات اللبنانية» والدكتور جعجع في عدة مناسبات وطنية وسياسية ودينية مسيحية وإسلامية، وشاركت مع رفاقي في الكثير من الزيارات الرسمية إلى هذه المرجعيات. وكان المرحوم الشيخ فريد حبيب الأخ والرفيق والمرافق الدائم.

واكبت تطورات أحداث 11 آب 2001 وتوقيفات رفاقنا الدكتور توفيق هندي وسلمان سماحه وإيلي كيروز. وقد لبيت طلب المحامي النائب بطرس حرب للمثول كشاهد أمام المحكمة العسكرية دفاعاً عن الموقوفين.

في بداية العام 2005 كلفتني ستريدا بالتواصل مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري للتنسيق حول الإنتخابات النيابية التي جرت في ذلك العام. حصلت لقاءات عديدة كانت تُعقد بشكل سرّي في دارته في قريطم قبيل منتصف الليل. وكانت تربطني بالرئيس الشهيد صداقة شخصية نتيجة التواصل معه بصفتي الهندسية النقابية والبلدية البيروتية.

بعد اغتيال الرئيس الحريري وأثناء احتفالية 14 آذار 2005 المليونية ألقيت كلمة «القوات اللبنانية» في ساحة الشهداء في بيروت.

عملت بعد نيل موافقة المطران عوده، على وضع لوحة تذكارية باسم «القوات اللبنانية» لشهداء المقاومة المسيحية في مدافن مار متر بالأشرفية حيث يرقد حوالى 300 شهيد لم تسمح ظروف الحرب بدفنهم في بلداتهم وقراهم.

 

الحرية للحكيم والإنطلاقة الرسمية والشرعية للحزب

خرج الحكيم من الإعتقال في 26 تموز 2005. وكان أصبح لـ»القوات اللبنانية» منذ أيار 2005 ست نواب في البرلمان وكنت وزيراً للسياحة لفترة ثلاث سنوات ومن ضمنها للزراعة بالوكالة لستة أشهر. عدنا حينها إلى العمل الحزبي والسياسي ضمن الأطر الدستورية بحيث تحوّل النضال من الحرية للحكيم ولـ»القوات» إلى العمل لبناء الدولة الحديثة والجمهورية القوية الحرة المستقلة.

بداية العام 2006 كنت من الموقّعين مع مجموعة من الرفاق وعلى رأسهم الدكتور سمير جعجع على طلب الترخيص من وزارة الداخلية والبلديات لإنشاء حزب «القوات اللبنانية»، ومنذ ذلك الحين أنا عضو في الهيئة التنفيذية للحزب وكذلك في تكتل الجمهورية القوية بصفتي وزيراً سابقاً.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل