
لا تنوي طهران ترك لبنان بحاله، يتعافى ويسلك طريقه الى “الخلاص” من ازماته المعيشية والمالية إن هو أحسن في الاصلاحات، بل تُزمع تعميق سطوتها أكثر على قراره ومؤسساته واداراته واقتصاده في المرحلة المقبلة. هذه الخلاصة التي يمكن استنتاجها من زيارة وزير الخارجية الايراني حسين امير عبد اللهيان الى بيروت، شكلاً ومضموناً ومواقفَ علنية وضمنية. فبحسب ما تكشف مصادر دبلوماسية مطّلعة لموقع القوات اللبنانية الالكتروني، فإن الدبلوماسي لم يكن ابداً “دبلوماسياً” في لقاءاته مع المسؤولين المحليين. لا نقصد هنا انه تحدّث معهم بخشونة، بل ان ما نقله إليهم بحد ذاته، يُعتبر خرقاً للسيادة اللبنانية ـ وإن هو اعلن احترامَ هذه السيادة أمس ـ ويَضع لبنان في مواجهة مع المجتمعين الغربي والعربي.
وفق المصادر، الرجل تحدّث في بعبدا وعين التينة والسراي والخارجية، باللغة ذاتها، ناقلاً عروضاً إيرانية بالجملة، للمساعدة في حل أزمات الكهرباء والمحروقات والمواصلات والاتصالات والدواء، ومتمنياً للحكومة الجديدة التوفيق في مهامها، وعارضاً لبعض القضايا الاقليمية كالمحادثات مع السعودية ومفاوضات فيينا. الا ان الزيارات هذه وما تخلّلها من مواقف، كانت بروتوكوليةً لا أكثر، تضيف المصادر. ذلك ان “زبدة” زيارة عبد اللهيان تظهّرت في اللقاء الذي جمعه الى الامين العام لحزب الله حسن نصرالله، في الضاحية الجنوبية. هنا، وضع الرجلان أجندةَ الايام المقبلة.
ففيما حزب الله يمسك في شكل او في آخر، بمفاصل المؤسسات الدستورية كلّها، كان اتفاقٌ على ضرورة الاستفادة من هذه الوضعية لتوسيع النفوذ الايراني في لبنان، بحيث لا يقتصر فقط على مدّ حزب الله بالسلاح، او على صهاريج نفط تأتي من طهران الى بيروت عبر سوريا، بل طلب المسؤولُ الايراني من نصرالله الضغطَ في اتجاه أن توافق الحكومة على تلزيم ايران عمليةَ بناء معملي كهرباء، في بيروت والجنوب، وايضاً لتقبل بأن يكون لطهران، دورٌ في ورشة اعادة بناء مرفأ بيروت، علّ ما لم تتمكن من انتزاعه في سوريا، عبر التمركز في مرفأ طرطوس على ضفاف المتوسط، لفيتو روسيّ منَعَها من ذلك، تنجح في تحقيقه في لبنان! الجمهورية الاسلامية تسعى اذاً نحو تطويع بيروت “اقتصادياً”، بعدما امسكت بها سياسياً واستراتيجياً، أي انها وبعد الأَنفاق العسكرية السريّة للحزب، تريد اليوم التكفّل بأنفاق “ميترو”، “علنية”!
وبينما لم يسمع عبد اللهيان في اي من المقار الرئاسية، اي رفض للعروض التي قدمّها او اعتراض على صهاريج النفط، ربما حياءً وربما تخاذلاً، وفيما لم يسأله أحد عن مدى قدرة بلاده على تنفيذ المشاريع الانمائية الموعودة بينما هي تعاني اقتصادياً، تكشف المصادر عن ان مساعي الجمهورية الاسلامية هذه، لـ”تدجين” لبنان، ستُواجَه من الخارج هذه المرّة، بدفعٍ أميركي مضادّ، يمنع سقوط الدولة نهائياً في يد طهران. هذه الضغوط ستتجلّى ليس فقط بتسريع عملية ايصال الغاز الى لبنان لحلّ اكبرِ مشاكله اليومية، اي انقطاع التيار الكهربائي، بل بِحَثٍّ قوي على الاصلاح وعلى الاتفاق على خطة للذهاب بها الى صندوق النقد الدولي، الامر الذي لن يكون سهلاً على الارجح، في ظل بوادر خلافٍ رئاسي حول خريطة الطريق هذه، بدأت تلوح في الافق، وفي ظل اعلان الحزب عن تحفّظه عن اي شروط دولية معلّبة ورفضه استخدام “الصندوق” من قِبل “الاميركيين لاستهداف المقاومة”.
هو اذاً صراعٌ اميركي ـ ايراني سيدور فوق “لبنان- الساحة” في قابل الايام. فهل سيعوق العمل الحكومي ويحوّل مجلسَ الوزراء عربةً يجرّها حصانان كلّ في اتجاه، في انتظار الاتفاق النووي العتيد ليعرف لبنان على اي “برّ” سيرسو: في محور الممانعة و”الشهيدين” قاسم سليماني وعماد مغنية اللذين حيّاهما عبد اللهيان من قصر بسترس، أم في موقعه الحيوي الطبيعي التاريخي، في قلب الاسرة العربية والدولية؟
