“الممانعون” على خط المصنع… تجديد ولاء أم حلف أقليات؟!

كتب النائب وهبي قاطيشه في “المسيرة” – العدد 1721

نصري خوري، إسمٌ قد لا يعرفه إلاّ القليل من اللبنانيين، مع أن «منصبه» الإداري، قد يكون الأعلى في التركيبة الوهمية اللبنانية – السورية منذ ثلاثة عقود: «الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني – السوري «. المجلس المشكّل بموجب «معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق» من الرؤساء الثلاثة في كلٍّ من البلدين، والذي لم يكن سوى واجهة لحكم لبنان من دمشق. أطلَّ علينا السيد نصري خوري منذ أيام، بعد أن نُفِض الغبار عن وجوده، ليتلو بيان الإجتماع الذي عُقد بين نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني، ووزيرة الخارجية والمغتربين السابقة زينة عكر، ونظيرها في دمشق. والذين لا يعلمون من هي زينة عكر ومناصبها في لبنان، يظنون أن الإجتماع عُقد بين مسؤولَيْن سوريَيْن، لأنّ العلم اللبناني، بخلاف كل بروتوكولات محترمة بين دولتَيْن سيدتَيْن، لم يكن حاضراً، إنما اكتفوا بعلمَيْن سوريَيْن يظللان المجتمعين. لعلّها بداية تجديد الإنفتاح على النظام في سوريا، وبداية رهن كرامات المسؤولين في لبنان لصالح النظام، ومؤشر على تأكيد إستمرارية عدم الإعتراف السوري بسيادة لبنان.

لم تكد دوروثي شيّا، السفيرة الأميركية في لبنان، تُطلق الموقف الذي يشجع على إستجرار الغاز المصري إلى معامل الكهرباء في لبنان، حتى تكثّفت طلبات الممانعين في لبنان، للحصول على بطاقة لقاء مع أي مسؤول سوري، من الدرجة الأولى أو الثانية أو الثالثة…. لتجديد أوراق اعتمادهم لدى النظام، ولتتحول بذلك شيّا، في نظر هؤلاء الممانعين، من «متدخلة سافرة في الشؤون اللبنانية»، إلى «مؤيدة للنظام ومحوره الممانع» المتمثل بإيران وسوريا، اللتين «انتصرتا»، كما يعتقد غلاة تجار الممانعة، في المواجهة المفتوحة مع الغرب الذي لم يتبقَّ له سوى الإعتراف بالهزيمة. كما يعتقد الممانعون، أن النظام السوري عائد إلى ممارسة دوره الطليعي في الشرق الأوسط، والتسلطي على لبنان، فازدحم «الخط العسكري» في المصنع، طريق إذلال بعض اللبنانيين، لتعزيز الوصاية السورية والبحث عن دور لكل منهم في هذه الوصاية على حساب مصالح لبنان وكرامة اللبنانيين؛ متجاهلين أن الذي يمسك بـ»العصمة» اللبنانية اليوم، لم يعد بشار الأسد كما كان والده، إنما نظام الملالي في إيران وبالتالي وكيله الحصري في لبنان: الأمين العام لـ»حزب الله».

أزمة الغاز المصري اليوم هي صورة مطابقة لما شهدناه منذ فترة، عندما قرر الجيش الأميركي إعادة تموضعه العسكري في سوريا. يومذاك شن الممانعون اللبنانيون حملة ضغط مكثفة على المسؤولين اللبنانيين تطالبهم بالإنفتاح بسرعة على النظام قبل أن تسبقنا الدول والشعوب إلى الإستثمار في سوريا. وتبيّن في ما بعد أن العملية العسكرية الأميركية، لم تتعدَ كونها عملية إعادة تموضع، تنفذها الجيوش من وقت لآخر، لتتوافق مع طبيعة المهمة وتغيراتها الميدانية…. ولم تتضمن أي تغيير سياسي من قبل الولايات المتحدة الأميركية تجاه سوريا ومحور الممانعة، واستمرت العقوبات على النظام، وباءت محاولات الممانعين بالفشل.

اليوم يتزاحم الممانعون على الفوز ولو بـ»سلفي» مع أصغر المسؤولين في هرمية النظام، مخالفين بذلك أبسط قواعد العلاقات بين الدول. فهل سألوا يوماً: لماذا لا تسلم سوريا المسؤولين السوريين عن تزويد ميشال سماحه بالمتفجرات وطلب نقلها إلى لبنان؟ أو الذين أمروا بتفجير مسجدي التقوى والسلام في طرابلس، وهم معروفون بالإسم كما ورد في التحقيقات اللبنانية؟ وهل سألوا يوماً حليفهم وصديقهم (النظام) عن مصير مئات اللبنانيين في سجونه وطالبوا باستعادة الأحياء منهم؟ إنما همهم الوحيد رهن كرامتهم أمام أقدام عودة نفوذ المحتل إلى لبنان من أجل حفنة من المكاسب والمناصب.

الغاز المصري قد يصل إلى بيروت، ولكن لا نعلم متى. فخط نقل الغاز أصيب ببعض الأعطال والتدمير، ما يتطلب أشهراً عدة لإعادة ترميمه. وهنا نسأل: من المسؤول عن إصلاح الأنابيب التي تعبر سوريا ولا علاقة للبنان بالأعطال التي أصيبت بها؟ وهل بإمكان سوريا في وضعها الحالي إصلاح هذه الأنابيب التي سيستخدمها لبنان؟ وهل ستفرض الإتفاقية الجديدة على لبنان إصلاحها؟ وهل لبنان قادر بوضعه الحالي على ذلك….؟ ومن قال إن السوريين لن يستغلوا هذا المرور كما يستغلون العارضة في المصنع فتحاً وإقفالاً لابتزاز لبنان؟ أسئلة عديدة يطرحها اللبنانيون، السياديون على الأقل، ولا يجدون جواباً لها سوى أن تاريخ هذا النظام لا يشجع على عقد إتفاقات معه تتحول يومياً إلى عمليات إبتزاز لمصالح لبنان واللبنانيين؛ والمعاناة في هذا المجال يعيشها كثيرون من اللبنانيين يومياً: أصحاب شاحنات النقل الخارجي يشكون من سوء معاملة النظام، وشكاوى مصدّري البضائع على أنواعها إلى دول الخليج على المعابر الحدودية لا تُحصى ولا تُعد، ولا يجد سائقو شاحنات النقل الخارجي اللبنانيين مرجعاً للتشكي حول استبدالهم دائماً بسائقين سوريين….. إنها قمة الإذلال للبنانيين.

يبقى أن نطرح بعض الأسئلة على هؤلاء الممانعين القدامى والمستنسخين الجدد، المتشدقين بعشق النظام. أولاً: هل الحريات التي يطبقها النظام في سوريا هي التي تلهمكم لاستجرارها إلى لبنان؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تسألوه عن مصير المواطنين اللبنانيين في معتقلاته، أو لماذا لا تنتقلون إلى السكن والعيش في دمشق للتنعم بالحرية؟ ثانياً: هل نموذج الإزدهار والبحبوحة التي كانت تعم سوريا، قبل الثورة وأثناءها وبعدها، هي التي تستهويكم لنقل النموذج إلى لبنان؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا إذن استباحة حدود لبنان لتأمين حاجات النظام في الدواء والغذاء والمحروقات….؟ ثالثاً: أم أن الدور الإقليمي والدولي الذي يلعبه النظام، هو الذي يجذبكم إليه كدولة كبرى إقليمية محورية للإنتماء إليها؟ لكن هل تعلمون أن سوريا، لاعبة الدور التاريخي على حساب مصالح شعبها وشعب لبنان لم يبقَ شيء من تلك السوريا؟ فالساحل السوري، أي واجهة سوريا البحرية، هو تحت سلطة بوتين؛ أي أن سوريا محاصرة بحراً؛ والشمال السوري خاضع لسلطة أردوغان؛ والشرق السوري يديره الأكراد بدعم أميركي؛ والجنوب السوري يتجه نحو الفلك الهاشمي؛ وباب سوريا الشرقي مع العراق يمسك به الأميركيون في قاعدة «التنف» العسكرية؛ وما تبقى من سوريا في العاصمة دمشق وجوارها تحوّل إلى ساحة مواجهة عسكرية يومية مفتوحة بين إيران و»حزب الله» من جهة وإسرائيل من جهة أخرى؛ ولم يبقَ من ورقة في يد بشار الأسد، سوى مشاعر الممانعين «الوطنية» الجياشة في لبنان، التي توجه إليه الدعوات كل يوم للتدخل في لبنان والفتك بمصالح مواطنيه.

الإصرار على هذا النهج الذي يمعن في إغراق لبنان نحو الجوع والفوضى، ينبئ بأن هناك مشروعًا إقليميًا – داخليًا ظاهره ممانعة وباطنه إلغاء وطن واستبدال هوية شعب. ظاهره إستجداء المناصب من قبل بعض الممانعين الداخليين، بينما للاعبيه الكبار أهدافهم الخاصة في تغيير ديموغرافية لبنان، بإلغاء شعبه الأصيل وإحلال آخر مكانه، بعنوان مستجد إسمه «حلف الأقليات» الذي «تقمص» من جديد وتعزز بهمة ودعم الفكر العوني، المتقلب المواقف منذ ثلاثة عقود وفقاً لمصالحه الخاصة، والراسخ اليوم على المعادلة المستجدة «خذوا الوطن واعطونا الكراسي». وما فائدة الكراسي إذا لم يكن هناك وطن؟! لذا فالمستنسخ «الباسيلي» الجديد عن التيار العوني، هو الأخطر في المراحل التي يمر بها لبنان، لاستكمال المقايضات التي صرفها الأصيل على مدى العقود الثلاثة الماضية.

اللبنانيون يتسوّلون الهجرة من الوطن هرباً من الجوع والفقر وفقدان السيادة؛ والممانعون من اللبنانيين، يتسابقون في الزحف نحو دمشق، بحثاً عن وكالة تعزز لهم تسلطهم على أبناء جلدتهم؛ ووطنهم التاريخ والنموذج والحضارة والحرية والإنسانية والإزدهار ينزلق، بسبب ممارساتهم «الخيانية»، نحو تغيير الهوية أو الزوال أو أي شيء آخر. إن كانوا لا يدرون فتلك مصيبة، وإن كانوا يدرون فالمصيبة أعظم. لذلك لا يمكن للقوى اللبنانية الحية السكوت عن هكذا مشروع إلغائي للوطن. نحن على أبواب محطة تاريخية جديدة، في الإنتخابات النيابية المقبلة، لإنتاج منظومة حكم جديدة، مصدرها إرادة شعبية حرة؛ للخروج من ظلمة الإحتلالين السوري والإيراني، التي زجّه بها الممانعون ومستنسخوهم. إنه موعد إستعادة لبنان من جزاريه، فلا يجوز أن يبقى الأحرار مكتوفي الأيدي أمام إحتمال زوال وطنهم حيث لا ينفع الندم.

 

وهبي قاطيشه – نائب في البرلمان اللبناني

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل