ربي تكون ع السمع يا بطرس يا خوند!

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1721

الدولة اللبنانية تخلَّت عنهم… العالم كان أرحم!

ربي تكون ع السمع يا بطرس يا خوند!

«29 سنة وقلوبنا يا بيي عم تنبض حزن»، كتبت رنا بطرس خوند على صفحتها. «صار الحكي تقيل، شو بدنا نقول بعد ولمين بدنا نتوجّه بالحكي، عم نحكي مع حيطان لا مشاعر عندها ولا إنسانية»، تقول الصبية التي كانت طفلة يوم اختطفوا والدها وكبرت وتعلمت وتزوجت وصارت أمًا، ووالدها ما زال في الغياب. وينك بطرس خوند؟ أما زلت على السمع؟!

…ويجيب الصدى، ملف المعتقلين اللبنانيين في أقبية تعذيب النظام السوري، لا أصوات فيه إلا أنين المعذبين وصدى الفراغ من الإجابات الشافية الوافية. لا يجيب سفّاح عن سؤال، بل يدير ظهره ويمعن في التلذذ بجرائمه الوحشية بحق الإنسانية. تسأل الدولة اللبنانية العليّة، «وين شبابنا رجالنا يا دولة يا جمهورية، أتراكِ تسألين عنهم من وقت لآخر فقط لكسر مزراب عيون الأهالي؟». وهنا حتى الصدى لا يجيب لأنه متواطئ معهم علينا، على الأهالي، على الوطن كلّه، على تضحيات آلاف الشباب الأحياء الشهداء المعتقلين المعوَّقين. باختصار هذه دولة تواطأت على المواطنين ليخضعوا لمنظومة الإحتلال وليكفّوا عن السؤال عن معتقليهم، ونقطة على سطر الكرامة!!

وينك بطرس خوند، أما زلت على السمع يا رجل يا مناضل يا شجاع الزمان الذي علّمت دعساتك على بيارق الأحرار في هذه الأرض المنكوبة باحتلالاتها؟… مذذاك الـ 15 أيلول 1992 وبطرس خوند لا يجيب ولا يستجيب. أخذوه في وضح النهار من أمام منزله، هم من اعتادوا الإجرام العلني ليلقنوا الأحرار دروسًا بالخوف والتراجع، سحبوه من الحياة كمن يسحب شعرة من معجن المناضلين، وبطرس خوند كان قمحًا من قمح سنابل المقاومين، أخذوه الى بيت السفاح في سوريا، وبيته معتقلات التعذيب والتنكيل والقتل والإستباحة، وما زال هناك في «ضيافتهم» ينعم بأقسى أنواع التعذيب، وبأساليب الإبداع والتفنّن بقتل الناس. سألتك مرة يا مقاوم، وأنا لا أعرفك شخصيًا «أما زلت حيًا يا رفيق البشير؟» ولم نلق جوابًا وأعرف أننا لن نلقاه يوما.

«ما بدي إيئس» تقول رنا، «بدنا نضل نسأل عنو ونفتش عليه». تُصرّ الصبية التي غالبًا تلوم نفسها كلما عبَّرت باستحقاق فرح أو نجاح، لأنها ما زالت تضحك ووالدها في غياهب الظلام «الناس بتفكّر إنو نسيناه، مش صحيح، وصدقيني بحس بالذنب بأي شي منعملو بالحياة وبيي مش معنا. كل الإشيا الحلوة لـ صارت بحياتي عملتا بغصة كبيرة، أنا وإمي وإخوتي، بس مضطرين نكفّي حياتنا وما عنا خيار آخر حتى نضل نقدر نطالب فيه» تقول رنا.

29 عامًا ولم تتجرّأ الدولة العميلة حتى اللحظة، على مطالبة سفَّاح الشام بالمعتقلين اللبنانيين لديه، وتعرّضت العائلة في خلالها لأبشع أنواع الإبتزاز، أسوة بعائلات المعتقلين كافة. منذ نحو السنتين أطلقت الولايات المتحدة الأميركية ما يُعرف بقانون قيصر، الذي يطالب سوريا بمعرفة مصير آلاف المعتقلين لديها، واتصلوا من أميركا بعائلة بطرس خوند، واستبشرت العائلة خيرًا، لكن ما حصل أن الدولة اللبنانية لم تتجاوب مع هذا المطلب، وتغاضت عنه كليًا ولفلفته في أدراج عمالتها لتحمي مصالحها الشخصية. ومنذ نحو الشهرين أعلنت الدولة اللبنانية بطريقة غير مباشرة، أنها في مرحلة التطبيع مع النظام السوري، وزار وفد من قبل رئيس الجمهورية الدولة السورية، وبدل أن يسألوا عن اللبنانيين المعتقلين، عادوا وكأن لا مواطنين لبنانيين هناك يتلقون أسوأ أنواع التعذيب، بعدما كانت الدولة إياها منذ سنين أعلنت وبوقاحة موصوفة «أن لا معتقلين لبنانيين لدى سوريا الشقيقة»!!!.

ومن جديد غرقت العائلة بيأسها «من سنين وسنين تعرَّضنا لأبشع أنواع الإبتزاز من سوريين ولبنانيين كانوا يدّعون أن عندهم معلومات عن أبي، لدرجة ما عدنا نعرف شو الصح وشو الغلط، تحمّلت إمي الكثير وخسرت صحتها وأعصابها، أمضت حياتها في خيمة الإسكوا وما حصلنا على شيء، أمي ما عادت تحتمل أي سؤال من أي أحد عن أبي، وما عادت تثق بأحد على الإطلاق، ركضت ركضت ركضت وبقيت مكانها وبيي ما رجع» تقول رنا بحسرة كبيرة.

صار لبطرس خوند ستة أحفاد، إثنان منهم يحملان إسمه، وهو لا يعرف عنهم شيئاً. أبناؤه الأربعة كل منهم في بلد، وزوجته ما زالت صامدة في لبنان على رغم إلحاح أبنائها للذهاب إليهم. توزعت الدنيا الواسعة أبناءه الأربعة، بعدما ضاقت بهم مساحة النضال الصغيرة الكبيرة التي بسببها صار بطرس خوند في المعتقل. «ما منحب نهاجر بس اضطرتنا الحياة الصعبة بلبنان، فرقتنا المسافات بس بعدنا ع ذات القضية، وقضيتنا ما بتموت واسمها بطرس خوند» تقول رنا. «أحيانا وأنا عم صلي لأجله بطلب من يسوع أن يكون معو عندو بالجنّة، لأنو أكيد أرحم من إنو يكون بعدو عم يتعذب بالمعتقل على إيدين السفاحين، خصوصًا إنو حدن خبَّرنا مرّة إنو حاول الإنتحار. لا شيء يقارن بعذابه على رغم كل لـ تعذبناه هون بلبنان نحنا وكل الأهالي. بقاؤه مع يسوع رحمة له». الى هذا الحد وصلت العائلة في تفكيرها لفرط الخوف من أن يكون ما زال يتلقى التعذيب في اقبية السفاح. «ما تبقّى لنا إلا الصلاة، الدولة اللبنانية تخلّت عنا كليًا وتخلّت عن مسؤولياتها بهالملف. دول العالم كانت أرحم معنا من الدولة اللبنانية، ومهتمة بمعرفة مصير المعتقلين أكتر منها، هون بيلفلفوا الملف وبيخبّوه، وبس تحكي معن كأن عم نحكي مع الحيطان، لا مشاعر لا حس وطني لا إنسانية، وما حدن فارقة معو عذاب هالناس».

أي كلام بعد ممكن أن يُقال؟ إبنة معتقل تتمنى أن يكون والدها في أحضان يسوع، على ألا يكون يتلقّى التعذيب على أرض المجرمين. هذا لا يحصل إلا في لبنان، إلا في دولة رضيت بحكم السفّاح، وخضعت له وتنكّرت لنضال الأبطال على مر الزمان لتصنع زمانها المتوحش في غربة الإحتلال والخضوع والعمالة للغريب والقريب. «بحزَن على بيي وما بلاقي صفة لهالشعور الغامر بالأسى، نحنا على رغم كل شي عشنا حياتنا ورح نكمّل بنضالنا كرمالو. بحزَن على بيي كيف بيكون عم يفكّر فينا، بحزَن على بيي لأنو ضحَى كتير وراحت تضحياتو  ضيعان لأن ما في إحترام بلبنان لتضحيات الشباب، بس بقللو نحنا مكفيين ومش رح نتخلّى عنّو لأنو هوي شمعتنا بالبيت وهوي اللي على رغم غيابو الجسدي مضوّي حياتنا بالصمود والإيمان»

تقول رنا وتهرع لتحضن مولودتها الجديدة، وتتلقى إتصالا من والدتها في لبنان «ماما يللا ناطرتك بدك تجي لعندي ع الإمارات»…

ستة أحفاد صار لك يا بطرس يا خوند، إذا كنت حيًا لا بد أنك تشعر بوجود حياتك فيهم، وإذا كنت فوق فأنت حتمًا تراهم وترعاهم. أما السفّاحين الذين خطفوك من الحياة فلهم آلاف المناضلين بعد في المرصاد، وأكاد أراك تفرح لأن تضحياتك لأجل لبنان مقدس ذاك، ما زالت شعلة غضب وحياة وعناد مشرّف في أيادي مناضلين يشبهونك في الشرف والشجاعة ولم ينسوك يومًا… ربي تكون ع السمع يا مقاوم.

 

رواد بطرس خوند

نحنا وجعنا ع غيابك كبير بس اليوم أنا صرت بيّ وصرت أعرف قدّي الولد غالي. فما بقدر إتخايل قدّي وجعك أكبر بس حرموك تشوف ولادك.

قدّي كانت صعبي آخر غمرا

قدّي تضحياتك كانت كبيرة

كبِرت عم بحلم إغمرك وأحمل همّك ع كتافي متل ما حمِلتني ع كتافك.

إنت دايمًا موجود معنا واليوم صرت عم شوفك من عيون حفيدك يلّي بيحمل إسمك.

وبيبقى الأمل إنو نرجع نشوفك وتغمر أحفادك.

 

رنا خوند

29 سنة… وقلوبنا يا بيّي بعدها عم تنبض حزن

… #بطرس_خوند#اطلقوا_سراح_بطرس_خوند

 

هيثم خوند (إبن شقيق بطرس)

غادر شقيقي هشام وعائلته لبنان إلى السويد هذه الليلة للعمل والإقامة هناك.

بمغادرته تكون عائلة أبي قد «اندثرت» في لبنان بعدما توزعنا بين السويد الولايات المتحدة ودبي..

أما المؤلم أكثر فهو أن عائلة عمي بطرس الذي تصادف ذكرى اختطافه التاسعة والعشرين اليوم، فلم تلق سوى المصير نفسه بعد مغادرة أبناء عمي كل الى وجهته في قطر والولايات المتحدة ودبي..

14 أيلول 2021

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل