روي بدارو: إصلاح ضمن دولة وليس دويلة

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1721

روي بدارو: إصلاح ضمن دولة وليس دويلة

وتطبيق الحياد أولاًّ!!

 

رأى الإقتصادي روي بدارو أن أي إصلاح لا يتم بوجود دويلة داخل الدولة، لذلك علينا أن نرتّب بيتنا الداخلي قبل الذهاب إلى الخارج. فأهم شيء أن نبني سلمنا الأهلي الداخلي، ونذهب إلى الحياد، وننهض بمناطق الأطراف وننميها، والذّهاب إلى تطبيق اللامركزية الموسّعة. وشكك في حديث لـ»المسيرة» في قدرة الحكومة الحالية على التفاوض الناجح مع صندوق النقد. وشدد على ضرورة إعادة النظر بالأجر بما يتناسب مع الإنتاجية، طارحًا أن يكون الحد الأدنى حوالى 150 دولارًا وأن يُعاد النظر فيه دوريًا.

 

إلى أي مدى ستنجح الحكومة في مهمتها، وما هي برأيك الطرق الأسلم للنجاح في هذه المهمة؟

أولا الأزمة الحالية ليست فقط أزمة مالية أو إقتصادية، بل هي في عمقها أزمة أخلاقية. لأنه حتى في النظام الحالي لو كان هناك أشخاص من ذوي الأخلاق العالية لما وصلنا إلى هنا القعر. وهي أزمة اتجاهات مختلفة ضمن المجتمعات المتعددة على أرض واحدة. هي بدأت بكونها أزمة توزيع النمو من سنوات الـ90 حتى اليوم. هي إذن أزمة متعددة الأوجه وليست حصرًا ازمة مالية أو إقتصادية. أما من ناحية عمل الحكومة، فهي عليها ان تعمل بداية على الخط الداخلي. فالبلد يريد الإتجاه إلى حيث الحريات والتقدم والإزدهار ويراد له الإتجاه الى عكس ذلك. وهذه عملية لتطويع لبنان سياسيًا، علما أننا لا نريد أن نكون لا فنزويللا ثانية ولا كوريا ثانية ولا إيران. لا هذا تاريخنا ولا هذه ثقافتنا، وعلى «حزب الله» أن يفهم أن الشعب بأكثريته لا يريد الذهاب إلى هناك.

أما في الداخل فيجب أن تكون الأولوية للإصلاحات في الحوكمة السياسية وفي إدارة البلد وليس فقط بتغيير الأشخاص. بمعنى البحث في «الطائف»: هل المطلوب تعديله؟ أم تغييره؟ أم الذهاب إلى اعتماد نوع من الفيدرالية أو اللامركزية الموسّعة؟ ولنزع كل الحجج، أقترح الذهاب فورا إلى تطبيق اللامركزية الموسّعة الموجودة في اتفاق الطائف مع الإنتباه إلى أنه هنا أيضًا ثمّة اختلاف في تفسير اللامركزية الموسّعة، علما أن هناك من يَعتبر في هذا الإطار أن ما هو لي لي وحدي، وما هو لك لي ولك، فـ»لأ ما بيمشي الحال».

وإذا كان البعض يعتقد أنه يمكن تطبيق ذلك بضغط فائض القوّة، فالواقع أن أي إصلاح لا يتم بالعنف والقوة بل بالحوار وبتسوية تاريخية جامعة. أهم شيء أن نبني سلمنا الأهلي الداخلي، أن نذهب إلى الحياد، أن ننهض بمناطق الأطراف وننميها. هناك قواعد وحقائق لا يمكن الإستمرار بتجاهلها.

 

هل تعتبر الحكومة الحالية مهيّأة للتفاوض مع صندوق النقد الدولي وتلبية شروطه للحصول على الدعم، وماذا تتوقع في هذا الإطار؟

برأيي ليست المسألة ما إذا كانت الحكومة مهيأة أم لا، وليس المطلوب أن نجلس مع مندوبي الصندوق ليملوا علينا ما يجب فعله ونمتثل. المسألة أبعد من ذلك، فالصندوق ليس ملمًّا بالتفاصيل السياسية العميقة والدفينة التي تحكم لبنان. قناعتي الثابتة أن أي إصلاح يجب أن يقر بالخلفية الخاصة والثقافية لكل بلد. وعليه فأنا أشك في قدرة الحكومة الحالية على التفاوض الناجح مع صندوق النقد لعدم وجود وجهة سياسية اقتصادية، بل وجدت هذه الحكومة لتدوير زوايا مر الزمن عليها. وبرأيي هذه الحكومة لن تتمكّن من الوصول إلى نتيجة مع صندوق النقد ولا الحكومة التي ستليها بعد الإنتخابات النيابية. وباعتقادي الحكومة المهيأة لتحقيق نتائج مع الصندوق هي تلك التي ستتشكل في بداية عهد رئيس الجمهورية المقبل. لكن تبقى الإشارة إلى أن بداية الحديث مع صندوق النقد هي أمر ضروري ومفيد.

 

هل هناك نيّة فعلا وقدرة عملية لتطبيق البطاقة التمويلية، والى أي حد يمكن أن تساعد هذه الخطوة في التخفيف من مآسي المواطنين؟

معضلة البطاقة التمويلية تكمن في تأمين التمويل والجرأة باتخاذ القرار المناسب. كنت أفضل لو كانت البطاقة مرحلية على أن تمدد كل شهر على حدة كي لا تفسّر أنها دائمة. يجب أن نشجّع ونحفز الناس على العمل سواء في الداخل أو، للأسف في الوقت الحاضر، الى العمل المؤقت في الخارج. هناك أيضًا كثير من الأمور التفصيلية التي لا مجال لذكرها الآن. لكن بالمحصلة كان يمكن للبطاقة أن تكون أفضل، وأقترح أن يكون الدفع بالدولار وليس بالليرة بهدف الحفاظ على القوة الشرائية للناس.

 

بعد تعدد القراءات واختلافها، ما هي رؤيتك للنهوض الإقتصادي في لبنان والعودة الى استقطاب الرساميل وإطلاق دورة اقتصادية صحيحة؟

لا يمكن الحديث عن نهوض إقتصادي بالمعنى الحقيقي اليوم. لكي نسجّل نهوضًا إقتصاديًا يجب أن يكون النمو المحقق عندنا أقله بالرقمين أي ما يفوق 10 في المئة. يمكن أن نحقق النهوض المرجو خلال مدة أقصاها خمس سنوات. لكن شرط تحقيق النهوض هو أن يكون قرار السلم والحرب في يد الدولة فقط وأن تعود هيبة الدولة على كل أراضيها. لا نهوض إقتصاديًا ولا يمكن الحديث عن أي خطط للنهوض ما دامت هناك دويلات داخل الدولة وسلاح متفلّت وليس الثقيل فقط إنما كل السلاح، وذلك ليتسنّى لنا إعادة علاقات لبنان الدولية فتساعدنا هذه الدول في عملية النهوض الذي يتطلب إستقرارًا أمنيًا وقضائيًا وسياسيًا وتشريعيًا ليتحقق في شكل سليم. ولا وفادة للرساميل والإستثمارات من دون الإستقرار الذي لن يتأمن بوجود مجموعات خارجة على الدولة.

 

كيف ترى مسار الدولار مقابل الليرة في الأسابيع القليلة المقبلة.. وفي المدى الأبعد؟

لنفترض أننا غدًا صباحًا اتخذنا القرارات مع مجموعة جيّدة من المعنيين وتحقق الإستقرار، فإن سعر الدولار التوازني الذي يمكن من خلاله تحديد الخسائر ثم توزيعها كنقطة انطلاق هو بين 7 أو 8 آلاف ليرة من خلال محاكاة وضعتها. وتوزيع الخسائر يعني بين اللاعبين الرئيسيين في هذه المسألة ومنهم الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين والمستهلكين وخاصة بين الأجيال. وهذا السعر هو كمرحلة آنية وانتقالية، وبعدها يجب تحرير السعر ويترك أمر تحديده لسوق حر ومحرر صعودًا أم هبوطًا، اذ هو خاضع لدينامية معقدة.

 

هل هناك إمكانية لتصحيح الأجور، وكيف يمكن إقرار ذلك مع تلافي التضخم؟

أعود هنا إلى مبدأ وقاعدة هي أن حقيقة الأسعار عليها أن تعكس الأكلاف. فمثلا هل سعر الأجر في الحد الأدنى يعكس كلفة العامل؟ طبعًا لا. كان سابقا الحد الأدنى في حدود 450 دولارًا للعامل إضافة الى بعض التقديمات في القطاعين العام والخاص، ولذلك علينا اليوم إعادة النظر بهذا الأجر بما يتناسب مع الإنتاجية. لكن في لبنان ليس لدينا تقدير للإنتاجية القطاعية أو حتى المناطقية كي نبني عليها سياسات أجور. وفي هذا الإطار طرحت أن تكون نقطة إنطلاق الحد الأدنى حوالى 150 دولارًا ويُعاد النظر فيه دوريًا. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا الأمر يلزمه توجيه وقرارات من مجلس الوزراء وهذا ما لا يبدو أنه سيحصل مع الحكومة الحالية.

 

كيف يمكن للمواطنين أن يتصرفوا بهدف المحافظة ولو على الحد الأدنى من قدرة الصمود إلى أن تمر العاصفة؟

قدرة الصمود ربما هي غير متوفرة بالمعنى الحقيقي للكلمة. سيجري «تأقلم تدريجي ومؤلم» لذوي المهن الحرة أما في ما يخص الأجراء فهناك أكثر من مليون أجير في القطاعين العام والخاص لا يمكنهم القيام بعملية تكيّف ذاتي لأن مستوى الرواتب يقرَّر من قبل الحكومة ورب العمل. لذلك أتوقع أن يغادر ثلث القوى العاملة الى الخارج. وبين العامين 2019 و2022 يكون قد غادر أكثر من 400 ألف مواطن. والمعضلة أن هذه الكفاءات لا تعود إذا لم يحصل حل سياسي مستدام، ليس فقط للأزمة إنما في جوهر حوكمة البلد. والحل هو سياسي بامتياز قبل أن يكون إقتصاديًا.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل