الوِفاق للاتفاق

في البداية، ينبغي المباشرةُ بتعريفٍ موجزٍ لمُفرَدَتَين متناقِضَتَين هما الوِفاق، والنِّفاق. فالوِفاقُ يعني الانسجام، والملاءَمَة، وتَطابُقَ الأفكار، وصولاً الى التَّعاهد. وقد اشتُقَّ من مفهومِ الوفاقِ الإيجابي فِعلُ ” وَفَّقَ ” أي أَصلَحَ بين النّاس، وكذلك دُعاءُ “مُوَفَّق ” أي تَمَنّي الخَير. فالوفاقُ، إذاً، هو صَبُّ الإلفةِ في قوالبِ الناس، توصُّلاً الى اجتماعِهم على مُرادٍ مُعَيَّن، والتِقائِهم حولَ أهدافٍ واحدة. أمّا النّفاقُ فهو إظهارُ الشّخصِ عكسَ ما يُبطِنُ، كإخفاءِ الكفرِ بالقلب، وإظهارِ الإيمانِ باللسان، مثلاً. أمّا في العلاقاتِ بين الناس، فالنّفاقُ يعني أن يُضمِرَ الواحدُ الحقدَ والكرهَ، ويُبدي المُصادقةَ والمحبةَ، كَذِباً. وقد اشتُقَّ من مفهومِ النّفاقِ السَّلبي فِعلُ ” نَفَقَ” للبَعيرِ وما شاكلَهُ من أصنافِ الحيوان، أي ماتَ وقَضى، وكذلك، دعوةٌ الى التَنَبُّهِ والحَذَر: إيّاكَ والنّفاقَ، فإنّه يُفسِدُ النّفس.

ما يدفعُ الى مقاربةِ موضوعِ الوفاقِ، في يومِنا البائس، هو كَسرُ البعضِ حاجزَ الصَّلاحِ لتسليمِ القيادةِ الى فَحيحِ المصادَمة، وفي ذلك تأشيرةٌ لزلَّةٍ توسِّعُ المِزقَ في ثورةٍ غرسَ سوءُ العِشرةِ، فيها، بُذورَ الشَّحناء، وحوَّلَها مُرّاً لم يَتْلُهُ، بعدُ، شَهد. إنّ التَّصادمَ بين أفرقاءِ الخَطِّ السياديّ، جعلَ الحِراكَ التَّغييريَّ حائطاً ضعيفاً نَفَذَت سِهامُ كارِهيهِ، فيه، الى مراميها، وحَكَّمَت مخالبَ المَكارِهِ في جسمِهِ الذي كان صَلباً، فخلعَت عنه سلامتَهُ، ليَغدوَ نازحاً عن نضارةِ البقاء.

لقد قيل: تحتَ أكداسِ التّراب، يُنشَدُ كنزٌ دَفينٌ ليُعَجِّلَ بروحِ الشرِّ الى النّار. وهذا يعني أنّه لا زلنا، ربّما، نأملُ في أنّ الوفاقيّين لمّا يزلْ يتأجّجُ جَمرُهم، وليسوا بحاجةٍ إلّا لِكَشطِ الرّمادِ عنهُ، لتعودَ العافيةُ الى سَعيِهم الحميد. وإذا قالوا إنّ سلوكَ شِعابِ المحاولةِ لن يوصِلَ إلّا لخَيبةٍ، كَخُطىً في الفراغ، قُلنا إنَّ مَنْ يُقَدِّمُ رِجلاً في بَلاطِ المحاولةِ يكونُ كَمَنْ يُرشِدُ ضائِعاً الى ملجأ السلامة.

إنّ الوِفاقَ نَهجٌ قَويمٌ لإطلاقِ شرارةِ الصِّلَةِ بين مُختَلِفين، وهو حركةٌ راقيةٌ تسعى الى إعادةِ التّفاعلِ بينَ أقطابٍ محكومينَ بالتّلاقي، في الأصل، وليسَ بالتَّساكُنِ الذي يحكمُهُ الخِلافُ الذي يصبُّ زيتَ التَوَتُّرِ على نارِ العدائيّةِ. من هنا، فإنْ لم يُسرِعِ التَّوفيقيّون الى المبادرةِ لرَأبِ الصَّدعِ في العلاقاتِ بين أبناءِ البيتِ الواحد، سوفَ تُعادُ عقاربُ الزّمنِ الى عصرِ ما قبل الثّورة، وبالتالي، فإنّ كلَّ ما أُمِّلَ به الناسُ لم يكنْ سوى تَزييفٍ سافرٍ، وشعاراتٍ جاذِبةٍ كاذِبة، لم تُلغِ الهواجس، ولم تنقلِ المجتمعَ المُنهَكَ من واقعِ الاختناق الى الهواءِ النَّظيف.

إنّ التّشَرذمَ السَّرطانيَّ بين أطرافِ الصفِّ السياديّ، بَلَغَ بالناسِ حالَ الارتباك، وأكّدَ، وللأسف، على أنّه الثّابتُ الوحيدُ المُحَصَّنُ عندَ ما عُرِفَ بالانتفاضة. وهذا يناقِضُ، تماماً، ما يفرضُهُ الحِراكُ الثّوريُّ من تَجاوزٍ للأنانيّاتِ، والانقسام، وعناصرِ الاختلافات، وتَواترِ المواجهات، ما ينتقلُ بالثّورةِ من سلاحٍ مُستَبسِلٍ الى خُردة. ولسنا، في هذا المجال، نُلقي بالمسؤوليّةِ على أركانِ السّلطةِ ومَنْ يتحكَّمون بمفاصلِها، فما يأتونه، في هذا الصَّدَد، بديهيٌّ معلوم، إنّما نَدَّعي على البعضِ من أقطابِ الثورةِ الذين نَحَروا بهمجيَّتِهم الشّخصانيّةِ والحقديّةِ، وعن قَصد، إنجازاً حِراكيّاً من شأنِهِ أن يُرجِعَ الأمانَ الى الوطن.

 

هذا البعضُ الموتورُ لم يأخذْ بالاعتبار قَلَقَ الناس، وذلك من أبسطِ واجباتِه، فمارسَ لامُبالاته الذّميمةَ، وهي سبيلٌ ناجحٌ لإفشالِ المخطَّطاتِ الساعيةِ الى تَبديدِ هَمِّ الشّعبِ التّائقِ للعودةِ الى لبنانَ الذي عرفناه، لبنانَ الخيرِ، والصّفاءِ، والعيشِ الكريم…إنّ الحقدَ الرّابضَ في متاريسِ البعض، هو الخَلَلُ الحقيقيُّ الذي أعاقَ ما ينبغي أن يتوصَّلَ إليه أقطابُ المعارضةِ، وأطرافُ الثّورة، من اتّفاقٍ يُنضِجُ حِراكاً سليماً، واعِداً، هادِفاً الى تحقيقِ نقلةٍ وطنيّةٍ نوعيّةٍ من زمنِ الجلّادينَ الذين تآمروا على الكيان، وأفقدوا الناسَ الحريّةَ والخبزَ معاً… الى وطنِ الكرامةِ، والسيادةِ، والحقوقِ، أي الى مفهومِ الانتماء، والولاءِ، والدولةِ المُتَحَمِّسةِ الى التقدّمِ، ومواكبةِ رَكبِ الحضارة.

لا نريدُ أن نصبحَ دمعةً يصفعُها اليأسُ وهي تترجّى،

لا نريدُ أن تتحوّلَ مساحةُ حياتِنا أسلاكاً، ومواسمَ أَلغام،

لا نريدُ أن نقعَ رُكاماً أمامَ التَّغييرِ الموعود،

لا نريدُ أن نُصبحَ، بكم، وَقْفَ الشّيطان…

باللهِ عليكم، لا تكونوا أسماءً مسحوقةً تحتَ أكفانِنا التي لن تتوقَّفَ عن كُرْهِكم وتَقبيحِكم…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل