
أزاح وزير الثقافة محمد المرتضى، صباح اليوم الثلاثاء، الستار عن لوحة انجاز ترميم قلعة صيدا البرية الذي مولته الحكومة الايطالية عبر الوكالة الايطالية للتعاون الانمائي، ونفذه مجلس الانماء والاعمار ايذانا بافتتاحها، في حضور سفيرة ايطاليا نيكوليتا بومباردييري، والنواب: بهية الحريري، أسامة سعد، وابراهيم عازار، رئيس مجلس الانماء والاعمار نبيل الجسر، المدير العام للمديرية العامة للاثار في وزارة الثقافة سركيس خوري، مدير الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي لوكا مايسترييبييري، رئيس بلدية صيدا المهندس محمد السعودي، الملحقة الاعلامية في السفارة الايطالية مادونا الحكيم، نائب رئيس المكتب السياسي لـ”الجماعة الاسلامية” الدكتور بسام حمود، والمسؤول عن منطقة صيدا في “حزب الله” الشيخ زيد ضاهر وحشد من الشخصيات.
وقال المرتضى، “بعض الأماكن، مثل صيدا، حين تدخلها يراودك الشعور بأنك لا تمشي فوق سطح الأرض بل فوق السنين. بعض الأماكن، تمتزج حجارتها برائحة تاريخها. كما يمتزج بالوردة عطرها. بعض الأماكن، ألسنة تنادي العابرين: قفوا نحك”.
وأضاف، “لبنان كله على هذا المثال: أرض للحضارات ممر ومستقر منذ فجر الاجتماع البشري، وللثقافات ملتقى ومرتقى على ترامي العصور. مدائن زرعت عند هذا الشاطئ، وعلى الجبال وفي الداخل الفسيح، وأوت إليها الشعوب من شرق وغرب، متفاعلة مع أهلها، في الفكر والإيمان والمعيشة والتجارة، والسلام والصراع والانكسارات والفتوحات، تفاعل أخذ وعطاء، حتى أصبح هذا الفضاء اللبناني المصهر الأول في التاريخ للتعدد الثقافي والتبادل الحضاري البناء.
وما الصرح الذي نفتتحه اليوم إلا صورة حية عن هذه الحقيقة التي عاشتها مدينة راقية تعبق بالتاريخ والحضارات. صيدا العزيزة التي أنشأها الفينيقيون منذ ما قبل الميلاد بقرون كانت درة في تاج كنعان قرب أخواتها المدن التي امتدت ممالكها من أرواد شمالا حتى عسقلان جنوبا. ومنها انطلقت قوافل في البر والبحر بكل اتجاه، حاملة صنائع فينيقيا ومنتوجاتها وأخشاب الأرز من جبال لبنان الشماء إلى الشرق وراء بلاد ما بين النهرين وفارس، وإلى مصر وآسيا الصغرى وبلاد الإغريق والرومان، وسائر موانئ البحر المتوسط، وصولا إلى شواطئ أميركا، بحسب بعض الدراسات، قبل كريستوفر كولومبوس بثلاثة آلاف عام. وتغنت بصيدا القصائد كما فعل صاحب الإلياذة أومير، ولأهميتها وارتفاع شأنها أطلق الكتاب المقدس لقب الصيدانيين على الشعب الفينيقي بأسره. هذه المدينة تداولتها الحضارات الشرقية والغربية في العصر القديم، حتى جاء العرب فحفروا حضارتهم في الروح واللسان قبل الحجر، وظلت صيدا على تعاقب أحوالها تعتنق القيم الإنسانية والدينية والحضارية السامية، وتحتضن بالمحبة كل لاجئ ومحتاج، وتبذل أزكى دماء أبنائها من رؤساء وقضاة وقادة ومناضلين في سبيل عزة الوطن وسيادته وحمايته وانتصار قضاياه”.
وتابع، “اليوم ندخل بوابة الجنوب لإفتتاح هذا المعلم التاريخي الأثري الذي يعود بناؤه إلى العهود الفينيقية الأولى، وإن سمته بعض الكتب مرة قلعة القديس لويس ملك فرنسا وقائد الحملة الصليبية السابعة، ومرة أخرى قلعة المعز لدين الله الخليفة الفاطمي. فإن ما قام به هذان لا يعدو تشييد برج هنا أو ترميم سور هناك، والقلعة أقدم عهدا من كليهما كما تثبت الدراسات التاريخية الموثوقة، وتدل عليه الآثار الباقيات. ولأن التاريخ يعيد نفسه، كما يقال، فإن هذا المعلم التاريخي الأثري الذي بناه الرومان دلالة على استراتيجية موقع هذه المدينة وأهميتها الاقتصادية والعسكرية، يبعث اليوم مجددا إلى النور في أبهى حلة بفضل الدعم الذي قدمته الدولة الإيطالية مشكورة، فكأن روما تعود إلينا في هذا اليوم من بوابة البناء لإحياء ما بيننا من تراث مشترك”.
وقال، “لقد أعيد تأهيل هذه القلعة وتدعيمها بإشراف المديرية العامة للآثار، وبالتعاون والتنسيق مع مجلس الانماء والإعمار، وأنشئ لها مدخل ذو مسارات سياحية، ورممت صالة في داخلها خصصت معرضا للقى الأثرية المستخرجة من حفريات الموقع، بغرض إبراز القلعة البرية بمعالمها التاريخية وسراديبها الدفينة، ما يؤدي كما نرتجي إلى تنشيط الحركة الثقافية والسياحية في هذا المكان، مع واجب المحافظة على إرثنا الثقافي كنزا للأجيال المقبلة”.
وأضاف، “قلعة صيدا البرية التي استعادت نضارة عمرها الطاعن في هذا التراب، رصيفة مثيلاتها من الآثار العريقة كخان الإفرنج، ومتحف الصابون وقصر دبانة المشيد على الطراز العثماني، والسوق بأزقته التاريخية. والقلعة البحرية الرابضة في حضن الموج، كلها عناوين عزة لا تشيخ، وشواهد على صمود مدينة غلبت عوادي الدهر، وهزمت قوى الشر الهاجمة عليها من بر أو بحر”.
وتابع، “لا تحيا أمة تتنكر لماضيها. ولا مستقبل لأبنائها، ما لم يفهموا تاريخهم المضيء والمظلم على السواء ويتعظوا به لأجل البنيان الحسن، ولن يكون ذلك لهم إلا بالتعمق في الوعي المعرفي. وهذا ما نسعى إليه في وزارة الثقافة، مؤمنين بمواهب كل لبناني خلاق مقيم أو مغترب، لكي نبرز للعالم بأسره وجه لبنان الحضاري النير الذي سينهض من كبوته مهما كانت الصعاب. ولا أكتمكم أنه، خلال هذه المدة الوجيزة من عمر الحكومة، لا تكاد تشرق علينا شمس نهار إلا ويردنا خبر عن إنجاز حضاري أسداه للإنسانية نابغة لبناني مغترب، أو جائزة عالمية حازها مبدع من بلاد الأرز، أو سبق ثقافي أو رياضي أحرزه بطل من عندنا. ما يحملني على الثقة بأن العافية الثقافية التي ما زلنا نتنعم بها ستكون مدخلنا الأكيد إلى استرداد عافيتنا الإجتماعية والاقتصادية والمالية، قريبا بإذن الله”.
وقدم الشكر والامتنان الى الحكومة الايطالية “للجهد الكبير والعمل الرائع الذي قامت به لإحياء هذا الإرث الروماني الفينيقي المشترك، وبالأخص سعادة السفيرة نيكوليتا بومباردييري وأعضاء السفارة الإيطالية للاهتمام الخاص والعمل الشخصي الدؤوب الذي أظهروه في متابعة أعمال الترميم، وللدعم الثقافي الذي تقدمه الدولة الإيطالية إلى لبنان”، وقال: ”نتطلع معا دائما إلى مزيد من التعاون والتبادل في ميادين ثقافية شتى لاتساع رقعة الآثار الرومانية في أرض لبنان ومنها تلك البقعة الأثرية في بيروت المسكونة، سعادة السفيرة، بحلم تحقيق إنجاز فيها، وهو الحلم المشترك بينها وبين وزارة الثقافة الذي نصبو الى ترجمته قريبا حقيقة حية قائمة على ارض الواقع”.
وشكر ايضا “دعم بلدية صيدا، رئاسة ومجلسا وفعاليات المدينة الكرام، لتعاونهم الوطيد”.
من جهتها، أكدت السفيرة بومباردييري ان “لبنان بلد له تاريخ عظيم وهو مدعو اليوم الى مواجهة تحديات وصعوبات كبيرة. ويمكن أن يشكل غنى تراثه الثقافي أحد الأسلحة للتغلب على هذه التحديات”، لافتة الى ان “الامر يتعلق بقطاع كغيره من القطاعات التي تشهد على التزام إيطاليا الدائم إلى جانب بلد الأرز لبناء مستقبل من التنمية والنمو المستدام”.
وتطرقت الى مراحل عملية ترميم القلعة، فقالت: “أدخلت على مر القرون تعديلات على قلعة صيدا البرية التي نراها اليوم وتضمنت جزءا من الهياكل القديمة كالممر الذي يؤدي إلى المسرح الروماني”، مؤكدة أن “هذا الموقع الأثري سيصبح موقعا ثقافيا لجميع أبناء صيدا”.