إيران المحاصرة بالأزمات ومخاطر الخيارات

إيران في أخطر مفترق جيو استراتيجي مصيري لها في هذه المرحلة. الخطر والتوتر المتصاعد شمالها مع أذربيجان، وتداخل المصالح الدولية والإقليمية عكس مصالحها الحيوية يرسمون مستقبلاً غامضاً للجمهورية الإسلامية، التي ترى كيف أن الخطر الذي زرعته في المنطقة بدأ يرتد عليها، وليس من بوابة المنطقة العربية، بل من بوابة القوقاز حيث الحسابات والتحالفات تنقلب رأساً على عقب من دون قدرة لطهران على السيطرة عليها أو أقله استلحاق نفسها بها.

أولاً: هناك وقائع وحقائق ميدانية افرزتها الأسابيع القليلة الماضية نستعرض أهمها:

أ ـ مناورات عسكرية اذرية ـ تركية ـ باكستانية تحت اسم (مناورة الاخوة الثلاث)

ب ـ مناورات عسكرية بحرية سعودية ـ باكستانية، فالعلاقات الباكستانية الخليجية وخصوصاً السعودية جيدة جداً.

ج ـ مناورات إيرانية عسكرية ضخمة على الحدود مع أذربيجان وتصاعد لغة التهديدات المتبادلة بين البلدين ورفض طهران ما تعتبره الوجود الإسرائيلي على حدودها في وقت تتوجس باكو من التهديد الإيراني فتقوي تحالفاتها الإقليمية لا سيما مع إسرائيل. وأعلنت باكو، أخيراً، أن أذربيجان مستعدة لإشراك قوة دولية لحماية مصالحها بوجه التهديد الإيراني ان استمرت طهران في تصعيدها.

د ـ عدم ارتياح موسكو إلى وجود الناتو في القوقاز على حدود روسيا (تركيا) فموسكو لا تقبل بقاعدة للناتو على حدودها من خلال قاعدة تركية في أذربيجان.

ه ـ فرض أذربيجان على إيران عوائد مالية إضافية على النفط الذي كانت طهران ترسله عبر إقليم كارا باخ الأرمني إلى خارج المنطقة، بفعل تحويل الممر الذي كان معتمداً عندما كان الإقليم تحت يد الأرمن الى ممر داخل أراضي أذربيجان، وبالتالي تحكم باكو بالإمدادات النفطية الإيرانية.

و ـ التحول التفاوضي بين أرمينيا وأذربيجان برعاية ودفع روسيين، ما يؤدي الى ابتعاد أرمينيا عن علاقاتها مع طهران.

ز ـ تدمير مصنع الاكتفاء الذاتي الإيراني بداية الشهر الحالي في إيران والتابع للحرس الثوري الإيراني.

ثانياً: عادة لا تخوض إيران حروبها في الداخل انطلاقاً من أراضيها، بل من خلال وكلائها الإقليميين وجيوشها كما ادعى قائد كبير في الحرس الثوري منذ أيام.

لكن هذه المرة إيران امام تحديين كبيرين:

أ ـ تحدي اندلاع مواجهة او حرب بينها وبين جمهورية أذربيجان على حدودها مباشرة

ب ـ تحدي اندلاع ثورة داخلية تهدد النظام بالسقوط.

فأية حرب محتملة بين إيران وأذربيجان ستؤدي الى تخفيف الضغط عن الشرق الأوسط والمنطقة العربية من خلال اضطرار طهران الى الاستعانة بجيوشها الإقليميين لإرسالها الى الجبهة الشمالية مع الاذريين.

وأذربيجان على علاقات جيدة مع كل من إسرائيل وتركيا وباكستان، وفي حال الحرب مع إيران سيقف العرب مع أذربيجان بينما سيدعم الروس إيران.

فالعمق التركماني (التركي) يجمع دول أذربيجان وكازاخستان واوزبكستان وقيرغيزستان وطاجكستان وتركمنستان بالعرق التركي. علماً أن أذربيجان تمثل الشيعية العلمانية التركية المناهضة للشيعية الفارسية الدينية الممثلة بولاية الفقيه.

فالحرب الإيرانية الاذرية إذا وقعت فستكون بين جناحين شيعيين، لكن الجناح العلماني الاذري التركي الذي يوالي تركيا السنية لأن العرق تركماني، ما يهدد بالتحاق اذريو شمال إيران البالغ تعدادهم حوالي 25 مليون نسمة بجمهورية أذربيجان واصطفافهم ضد طهران، فتتهدد وحدة الأراضي الإيرانية وينهار النظام المركزي للملالي.

من هنا، انفجار الداخل الإيراني أخطر ما يمكن أن تواجهه الجمهورية الإسلامية في إيران في المرحلة الحالية والمقبلة من الأيام والأشهر.

ثالثاً: إيران في كماشة جيو سياسية بين وضع غرب آسيا غير مستقر وغير محسوم لصالحها خصوصاً في سوريا في ظل مزاحمة بوتين الروسية ومحاولات التقارب العربي من نظام دمشق لانتزاعه من الحضن الإيراني، الأمر الذي لا يزال الأسد يرفضه الى الآن، وخروج غزة من عباءتها منذ الحرب الأخيرة وعودة مصر القوية للإمساك بالورقة الفلسطينية ونجاح الرئيس عبد الفتاح السيسي في استجلاب حماس إلى جنبه في خطة إعادة اعمار غزة، فضلاً عن التصالح التركي السعودي والتركي الإماراتي والتركي المصري، واحياء اتفاقيات السلام الابراهيمية وافتتاح سفارات وقنصليات وسواها من معطيات، لا تجعل طهران مطمئنة وبالتالي تزيدها تشدداً.

من جهة أخرى، ها هو الشمال الإيراني الحدودي يقترب من مرحلة الصدام، مع تغير حسابات وتحالفات منطقة القوقاز بأكملها، خصوصاً أن أذربيجان بإغلاقها طريق طهران عبر أرمينيا انما تغلق الشريان الحيوي الأساسي للتجارة الإيرانية التي تعاني أصلاً في ظل العقوبات الدولية والأميركية المستمرة منذ عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الى الآن، فالإغلاق اغلاق لخط التواصل بين إيران وأوروبا بالإضافة الى كونه اغلاق لخط التبادل التجاري والنفطي.

ويعتبر القوقاز كما العراق والخليج وأفغانستان، جزء من طريق الحرير الصيني، ويدخل في سياق المواجهة الدولية كمحور من محاور الصدام بين الجبارين الأميركي والصيني، وعليه تتكل واشنطن في صراعها مع الصين، اذ في حال حصول حرب مع إيران، فإن أتراك تركيا وإيران وأذربيجان وكذلك الايغور ودول الطوق السوفياتي السابق الستة (جمهوريات الستانات: أذربيجان وكازاخستان واوزبكستان وقيرغيزستان وطاجكستان وتركمنستان) كلها ستقف ضد طهران، ولمصلحة الناتو، وبالتالي واشنطن.

انطلاقاً من مجمل هذه المشهدية المتوترة والتصادمية، إيران امام استحقاقات مصيرية داهمة، ان من جهة الغرب او من جهة الشرق او الشمال المجاور للقوقاز. فهل تلجأ الى خيارات تصعيدية مع أذربيجان وصولاً الى حرب مباشرة معها؟ ام انها ستعمد الى تحريك اوراقها الإقليمية في الشرق الأوسط ولبنان لتوتير الأجواء وتشنجها للضغط خصوصاً إذا ما شعر نظام الملالي ان المحاصرة الجيو سياسية له قد تؤدي الى انفجار الداخل الإيراني وتفكك وحدة أراضي وشعب إيران؟

الأكيد حتى هذه الساعة ان طهران امام خيارات صعبة وخطيرة بخطورة توقف المفاوضات النووية وعودة خرائط الضربات العسكرية الإسرائيلية على طاولة البحث بين واشنطن وتل ابيب، ما قد يعزز فرضية استخدام إسرائيل للأراضي الاذرية لتوجيه ضربات الى الداخل النووي الإيراني.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل