
إنّ الأوطانَ لا تُبنى بالزّخارف، بل بكتابةِ فصولِها باعتِزاز. وناسُها تَوابِعٌ مجهولونَ طَوَتهمُ الأزمنة، أو مُواجِهون أنقياءُ سطّروا صفحاتٍ مجيدةً، فلا تُستَفتَحُ حلقاتُ الذِّكرِ إلّا على ملامحِهم.
إنّ حظَّ لبنانَ، في منعطَفِ واقعِهِ السياسيّ، والكيانيّ، وكأنّه طلَّةٌ على جهنّم. ففائضُ الخطرِ يُنبِئُ بهُبوبِ حيثيّةٍ لا تخصُّ أهلَه، هويّتُها مغايرةٌ لبُنيةِ الوطن، وأهدافُها بَسطُ انتدابٍ إستعماريٍّ نيو إمبرياليّ، يحوّلُ لبنانَ مَحميّةً مسلوبةَ الحريّة، وأهلَه مجرَّدَ رعايا لهم الحقُّ، فقط، بحياةٍ “نَباتيّة “.
إنّ ما حصلَ في ساحاتِ بيروت، بالأمس، قادَ الناسَ الأحرارَ، وبالقوّة، الى مواجهةِ استبدادِ منظومةِ التَسَلّطِ، بظلمِها، وتَحَكّمِها الأَشرَس بمصيرِ البلادِ والعِباد. والرّسالةُ أتَت واضحةً، بأنّ الشّعبَ ليسَ مرتَعِباً، وهو مستمِرٌّ بتَنَشُّقِ نسائمِ الحريّة، وبِمَنعِ قيامِ حكمٍ شموليٍّ طاغٍ ومُستَقوٍ بالسّلاح، ولو كان الثّمنُ حياتَه ذاتَها.
إنّ تَلَطّي المستبِدّ خلفَ مقولةِ الأمنِ الوطنيّ، ومقايضتَه إيّاه بِـ”قَبعِ” المحقِّقِ العَدليّ في جريمةِ تفجيرِ المرفأ، إنّما هو تَلاعبٌ بعقولِ النّاس، وفرضُ هيمنةٍ كاملةٍ على ما تبقّى من آثارِ المؤسّساتِ في جمهوريّةٍ أصبحَت بحاجةٍ ماسّةٍ لربيعٍ حقيقيّ.
لقد فاجأتنا مجموعةٌ من المشتغِلين في السياسةِ، عندَنا، بالدّعوةِ الى التَعَقُّلِ، بمعنى تَدويرِ الزّوايا للتوصّلِ الى حلٍّ مُتوازِنٍ يُعيدُ السلامَ الى حالةِ الوطن. لسنا، في مُطلَقِ الأحوال، في مواجهةِ التَعَقُّل، حِرصاً على كَبحِ جَماحِ الأَهواء، وضَبطِ التطرّف، وذلك، لتمريرِ مرحلةٍ ملتهبةٍ يستغلُّها الإنقلابيّون، جَهاراً، لتمتينِ تَمَوضعِهم المُتَسَلِّطِ السّاعي الى فرضِ مشروعٍ مشبوهٍ على أرضِ لبنانَ بالكامِل. لكنّنا لسنا، على الإطلاق، مع ما يُعرَفُ، عندَنا، بِـ”تبويس اللّحى”، فهذه شطارةٌ مُغرِضَةٌ يستخدمُها البعضُ المعروفُ تَمويهاً لخلفيّةٍ مزدوجِةِ الهَدَف: واحدٍ قريبٍ وهو إعدامُ التّحقيقِ في تفجيرِ المرفأ، وآخرَ بعيدٍ وهو وَضعُ اليدِ على البلد.
إنّ الابتعاد عن منطقِ التَّصادمِ لتَبَنّي سلوكٍ سِلميٍّ يعالجُ الأمورَ بِوَعيٍ، كان، ولمّا يزل، خيارَنا، وذلك لإنجازِ برنامجٍ وطنيٍّ يُبَلوِرُ مفهومَ الانتماء السّليمِ الى لبنان، والقائمِ على الولاءِ المُطلَقِ له، من دونِ أيِّ ولاءاتٍ أخرى، على أنقاضِهِ، يسعى إليها أصحابُ الأهازيجِ الناريّة، بقبضةٍ حديديّةٍ أعلنوا عنها، في مواقفَ عديدة.
وإذا قيلَ “إنّ وراءَ الأَكمةِ ما وراءَها”، فلم تَعُدْ هذه المقولةُ غامضةً، أو رمزيّةً، لأنّ هذا “الوراءَ” أصبحَ “أَماماً”، ولم يستطعْ أصحابُهُ تَشفيرَهُ، بِتَذاكٍ، لإبقائِهِ وراءً غامضاً. لكنّ استعمالَ النّاسِ مَطايا للقَفزِ، على جُثَثِهم في بعضِ الأحيان، وصولاً الى تحقيقِ هذا “الوراء” المشبوه، فلا يمكنُ الإشاحةُ عنه، عِلماً بأنّ المَخدوعينَ من المُصَفِّقينَ هم مَنْ دفعوا، ويدفعونَ الثَّمَنَ الباهظَ، كلَّ مرةٍ، ومن دونِ مُنازِع.
إنّ الدَّورَ الدِّفاعيَّ الذي أدّاهُ مَنِ اعتُدِيَ عليهم من قِبَلِ “النُّخبةِ المُثَقَّفة” كان اندفاعاً عنفوانيّاً تلقائيّاً، فُرِضَ عليهم، إذْ لم يكنْ بالإمكانِ السّماحُ باستباحةِ الأحياءِ من النّاسِ والأَمكنة، ضَرباً، وتكسيراً، وقَتلاً، وترويعاً، من دونِ التَصَدّي لهمجيّةٍ نكراءَ. إنّ أهلَنا في هذه المنطقةِ السياديّة، هم عاصون، أصلاً، عن التّدجين، وغيرُ آبِهينَ لأيِّ تهديد، ولن يكونوا جائزةَ ترضيةٍ تعويضيّةً لأَحَد، إِنْ للماضي، أو للحاضر. فلا يتوهَّمَنَّ واحدٌ بأنّ أهلَ المنطقةِ السياديّةِ هم مَكسرُ عَصا، أو خاصرةٌ رَخوةٌ يعتبرُها بعضُهم مُقيمةً، حيثُ هي، لِأَجَل.
كان المطلوبُ من الدّولة، وعُذراً إذا أشَرتُ الى ما ليس موجوداً، أن تلتزمَ استراتيجية استباقية لانتزاع الفَتيلِ حتى لا يحدثَ ما جرى، لكنّ أركانَها ” الرُّؤيَوِيّين “صُنّاعَ التّحليلاتِ الخُنفُشاريّة”، المُتَسَتِّرينَ بعبارةِ “تِقَنِيّينَ مستقِلّين”، أطلَقوا الاتهامات غيرِ الرّشيدة، وغيرِ التِّقنيّة، ما أَثبتَ ما هو معلومٌ، بأنّهم أبواقُ صانِعيهم من المرجعيّاتِ السياسيّةِ، وهذه حقيقةٌ لا تفوتُ ثاقِبي النَّظَر.
يا أهلَنا الأبطال، أنتمُ الظّاهرةُ الصحيّةُ في غَلَبَةِ الحقِّ على الباطل، وفي تَفَوّقِ لبنانَ على أَصفادِ الأوصياء، وفي دَحرِ حَقِّ التصرّفِ بحياةِ الناسِ، لقد كنتم قادةً حقَّقتم، بجرأتِكم، إنجازاً غيرَ اعتياديٍّ، لمّا تقاعسَتِ الدّولةُ عن واجبِ حمايتِكم. إنّ العنفوانَ كالإيمان، ينقلُ الجِبال، فكيفَ لا يَصدُّ المُعتَدين؟