
في عصرِ الشّعوبِ العاشقةِ لكرامتِها، يستحيلُ تَطويلُ العطلةِ عن الجدِّ في سبيلِ صيانةِ هذه الكرامة، ولَو كان دَمُ الجدِّ شديدَ الحُمرة. من هنا، يُفتَحُ في المواجهةِ جبهاتٌ تُؤَجِّجُ ثورةً وليسَ فُرجةً جماهيريّةً بسيطة، فلا تُخفَضُ رؤوسٌ أمامَ السُدّاتِ لتستقيمَ الطّاعة، ولا يُغمَدُ سيفُ الحقِّ في غِمدِ الخوف، بل تبرزُ الحاجةُ الى تَبصيرِ النّاسِ بأحقيّةِ الحريّةِ، ليُصقَلَ عيشُهم بالأمنِ، والأمل، والعَدل، والتَّطلّعِ الى الغَد.
لا تدخلُ الثورةُ، أساساً، ضمنَ مفهومٍ مُبْهَم، ما يستدعي التَقَصّيَ عن نظريّاتٍ تشرحُ ماهيّتَها، وتكشفُ خصائصَها، للتوصُّلِ الى تَكوينِ إطارٍ يستوعبُ حيثيّتَها. فالثورةُ اندفاعٌ عَفويٌّ يجسِّدُ اقتناعَ العقلِ بضرورةِ المواجهةِ، لإحداثِ تغييرٍ في بُنيةِ الأَوضاعِ المُحيطة، يكونُ جَذريّاً في أغلبِ الأحيان.
وعندما نُحيلُ بدايةَ الثورةِ الى العقل، نؤكّدُ على أنّها تبدأُ فكريّةً، أي أنّها تنطلقُ من مبادئَ، وطروحاتٍ هادفةٍ الى تقديمِ حُلولٍ تُحدِثُ نقلةً نوعيّةً في مجتمعٍ مُعَيَّن، ما ينتقلُ بأهلِهِ الى حالٍ فُضلى تتميَّزُ عَمّا قبلَها. من هنا، أي من صلبِ العملِ الفِكريِّ الذي يؤسِّسُ للثورة، حدَّدَ علماءُ الاجتماع الثورةَ بأنّها عِلمٌ يسعى، في بُنودِهِ، الى تَحويرِ مَسارِ المجتمعِ بابتِكارِ حِراكٍ رافِضٍ لِما هو قائم. وقالَ آخرون بأنّ الثورةَ تحملُ قضيةَ التَّغيير، لُغَتُها العَمَلُ باندفاع لإِنجاحِها، وإلّا فهي تكونُ الى الخسارةِ أَقرَب.
عندَنا، وصلتِ الحالةُ العموميّةُ الى مأزقٍ سياسيٍّ، وإيديولوجيٍّ بامتياز، وتآكلَتِ المرجعيّاتُ، والسلطةُ فقدَت مصداقيّتَها، وبالتالي، أصبحتِ الثورةُ ضرورةً لمصلحةِ الشَّعب. إنّ وجودَ مفكِّرين متنوِّرين في مراكزِ القرارِ الشَّعبيّ، قادرينَ على بَلورةِ رؤيةٍ تربطُ بين أهميّةِ الثورة، وبينَ منهجيّةِ استثمارِها، لم يتركْ للتركيبةِ الحاكمةِ المعهودةِ إمكانيّةَ نَفاذِ عشوائيّتِها في إدارةِ الناس، والإشرافَ على أن يتَخَبَّطَ التحرّك، لإفشالِ المخطّطاتِ الإلزاميّةِ لِتَقنِيَةِ الثورةِ صوبَ الأَجدى.
إنّ اندفاعَ الثورةِ بقِوى المقهورين، يُدرَكُ عاطفيّاً، وانفِعاليّاً، ويُؤَيَّدُ، تلقائيّاً، تضامُناً مع حمولتِهِ الحقوقيّة، فالناسُ الذين سحقَهم القَهر، اندفعوا فوقَ جِسرِ الثورةِ التي تستهوي الأَحلام، تَوَقُّعاً لِفَجرٍ يُنهي ليلَهم الطويل، وهم يأملونَ بألّا يغيبَ الفجرُ قبلَ أن يُطِلّ. إنّ النّاسَ لم يعرضوا ثورتَهم للبَيع، لذلك، من الظّلمِ أن يُرشَقوا بِحَرَم، لقد كانوا مُتَوَفِّرينَ لثورةٍ كادَ بعضُ قياديّيها أن يُذَهِّبَ عنهم النَّخوةَ، بزَخمِ أنانيّةٍ، وصُنوفِ صراعاتٍ، وخُصومات، كادَت أن تُحَوِّلَ أرضَ الثورةِ بُوراً.
لقد كان النّاسُ، في حماستِهم، الأَدَلَّ على رونقِ الثورة، فَضلُهم في إزكاءِ نارِها ليسَ يَسيراً. لقد دَلّوا، بحراكِهم المُتنامي، في أوّلِ عهدِ الحِراك، على لبنانَ الذي يرزحُ تحتَ عصرِ الذّنوب، منكوباً بطُغاةٍ ساسوهُ بالحَرامِ، والقمعِ، والاستبداد، والجَور، والفسادِ، فأصبحَ أشدَّ البلدانِ بُؤساً، وأكثرَ الأمكنةِ مَثَلاً لِرَجَسِ الظّلم. لقد ثارَ الناسُ استجابةً لِمَطلَبِ عيشِهم الكريم، وليسَ بموجَبِ مفاهيمَ عشائريّةٍ بائدة، أو طائفيّةٍ رَعناء، لكنّهم حملوا مشروعَ قيامِ وطنٍ سيّدٍ، ما يُسقِطُ عنهم التّهمةَ بأنّ ثورتَهم للثّورة، أي تهدفُ الى الهَدمِ، والفوضى، والتَمَرّد.
إنّ ما جرى في 17 تشرين، ليسَ انتقالاً من حالةِ قهرٍ الى حالةِ قهرٍ أخرى، بأسماءَ مختلفة، فإطاحةُ الوضعِ الذي سادَ، ولسنوات، أرادتها الثورةُ أن تُؤدّيَ الى تحوّلاتٍ أساسيّةٍ في البُنى السياسيةِ والاجتماعية، وتُرسِّخَ إطاراً يضمنُ المساواةَ، والحريةَ، والعدالة، ما يقودُ، حتماً، الى مواطنةٍ مدماكُها الولاءُ وحدَه. لقد آمنَ الثوريّون بأنّ الثورةَ أَصلٌ حين تُدرَسُ درجةُ انتفاضةِ الشّعوب، فنبراتُها من مُعَلِّمي عَمارِ الأوطان، وحلقاتُها مقاماتٌ في زمنٍ مُرّ، وفي مجتمعٍ جائعٍ الى الخير، قبَّحَت وجهَهُ الشّرور، وساقَتهُ الى المقدورِ قَهراً.
رُبَّ سائلٍ نُجيبُهُ: لو أَطَلنا الطَّوافَ في واقعِنا البَشِع، لَوجدنا الظّلمَ مَرقَتَهُ المُستَطابةَ، والفسادَ دِينَهُ، والخيانةَ جُبلَتَهُ، والشَّعبَ البائسَ وَقودَ قَهرِه، فإمّا النِّزاعُ حتى السَّقطةِ التراجيديّة، وإمّا استحضارُ العنفوانِ للمباشرةِ بنضالٍ وطنيٍّ ثوريٍّ دفاعاً عن كيانٍ مُهَدَّد، ووجودٍ يتوقُ الى ترانيمِ الحرية. وكانتِ الثّورةُ نهجاً إِلزاميّاً، رَفضَويّاً، حتى لا تتمدَّدَ مواسمُ الذلّ، ويعِمَّ اليباسُ الرّجاء، فمن الثورةِ، وحدَها، تنضحُ مظاهرُ التَّعافي التي تُدخِلُ الى رِئِتَي الوطنِ بَلسَمَ الشِّفاءِ من وَجَعِ القلقِ، ونُظُمِ الخوف، وغَلَبَةِ الكَدَر، وخطرِ الغريزيّةِ البربريّة، ومشيئةِ العصابات، وأداءِ التَّرهيب، وتَشَظّي الآمال… لينهضَ، على أنقاضِ هذه الحالةِ النَّجِسَة، وطنٌ مُستَدامٌ، مؤَهَّلٌ، بِطاقاتِهِ المؤمِنةِ بكيانِه، لقفزةِ نُهوضٍ الى السّلامِ، ومبادئِ العدالةِ، مؤمناً بسلطةِ الحريّة، لا يتنازلُ عن سيادتِهِ، ولو على كلِّ شِبرٍ من الأرضِ شهيد.