قال الدكتور فارس سعيد بعد انتهاء كلمة الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله أن كلامه كرّس زعامة رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع. والكلام الأهم هو في الشقّ الثاني لما قاله سعيد، “سيّد، انت لا تعرف لبنان”.
كل ما قاله نصرالله يعكس جهلاً مريعاً لطبيعة لبنان السياسية وجذور الطوائف اللبنانية وأفكارها وتقاليدها وتاريخها، أو ربما هو تجاهل طبيعتها وتاريخها، وكأنه “سكران” بفائض القوة التي أعمت بصيرته. لكن أمرين يجدر التوقّف عندهما يبرران ما نطق به نصرالله من تهديدات واستعراض قوة وتهجّم على “القوات اللبنانية” بهذه الضراوة.
الأمر الأول كانت الكلمة موجّهة إلى بيئته الشيعية التي شعرت بضعف، للمرة الأولى، إثر مواجهات عين الرمانة والطيونة، فأراد شدّ عصبها بهذه الطريقة.
الأمر الثاني، صحيح أنه توجّه بكلامه إلى “القوات” إلا أنه أراد توجيه رسائل إلى كل القوى في الدولة وخارجها وأهمها رسالة إلى المؤسسة العسكرية للقول بأنه الطرف الأقوى عسكرياً من حيث العدد والهيكلية العسكرية.
أما ما تبقى من نقاط في الكلمة فكانت شبه اعلان ترويجي انتخابي لـ”القوات اللبنانية”، وبقدر ما شدّ العصب الشيعي حول حزبه، فقد شدّ العصب المسيحي والسني والدرزي حول “القوات” وبشكل غير مسبوق، وربما هذا هو الفخ الذي وقع فيه نصرالله، وجعل كلمته موضع سخرية من المعمقين في السياسة. ولعل الأكثر ابتهاجاً بالكلمة كان جعجع وقياديو حزبه.
لم يقرأ نصرالله تغيّر المزاج الشعبي في الشارع المسيحي، ولم يلاحظ أنه أصبح لمصلحة “القوات اللبنانية”، وبأن كثراً من المسيحيين يهاجرون بسبب سلاحه وتغييره لوجه لبنان المحايد والمستقر والمنفتح على العالم، لقد ضاق المسيحيون ذرعاً بأن بلدهم أسير للسلاح غير الشرعي لـ”حزب الله” الذي ليس سوى لواء في “الحرس الثوري الايراني”، يقاتل في سوريا واليمن والعراق، خدمة لمشروع توسعي ايراني يقوم على إثارة الغرائز المذهبية، ويبدو أن هذا المشروع على تناقض كليّ مع فكرة لبنان من أساسها، بل ينسف فكرة لبنان الكبير كوطن لكل ابنائه، من كل الطوائف والمذاهب، من دون أي تمييز من أي نوع.
لو كان يفهم نصرالله تركيبة لبنان او يريد المحافظة عليها ما كان تمادى في تنفيذ المشروع الايراني وجعل لبنان محوراً لقتال الدول العربية والمجتمع الدولي، مما أدى إلى عزله وانهيار اقتصاده، فماذا ينفع المسيحيين وغير المسيحيين سلاح حزب الله ونصرة المشروع الايراني فيما تحتجز المصارف أموالهم، والدولار لا سقف له في السوق السوداء ولا كهرباء واسعار البنزين والمازوت تفوق كل تصوّر، يعني ذلك بكلّ بساطة أن لا اقتصاد لبنانياً بعد الآن. لا اقتصاد يعني موت لبنان.
طفح كيل المسيحيين من مشاريع “حزب الله” وحروبه الدائمة سواء المحلية او الاقليمية او نشره للارهاب دولياً، وأخذ الشعب اللبناني رهينة، حتى أصبحت غالبية هذا الشعب بمسلميه ومسيحييه، تتمنى لو أن “القوات” فعلاً تخلع ثوبها السياسي وترتدي البزّة العسكرية، إلا ان “القوات” ليست في هذا الوارد طبعاً كونها تناضل منذ العام 1990 من أجل الدولة والسيادة والدستور والقانون والحرية، ولها ملء الثقة بالجيش اللبناني ودوره في الدفاع عن لبنان وحماية اللبنانيين.
لذلك محاولات نصرالله لـ”شيطنة” القوات باءت بالفشل، لأن هذا الخطاب الذي اعتمده لم يعد صالحاً بل يكرر ما كان يفعله حليفه النظام السوري، فنصرالله بدا كأنه يصف حالته الميليشياوية ويتهم بها “القوات”، إلا أن لا عقل بشرياً يمكن أن يقتنع بأن حزباً مثل “القوات لا يملك “شفرة” يريد العودة إلى الحرب، فيما حزب مثل “حزب الله” يملك 150 الف صاروخ وترسانة عسكرية وعدداً هائلاً من المسلحين يبشّر بالسلام فقط!
لا مصداقية لكلام نصرالله، فهو لا يعرف ان اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً لم ولن يستسلموا لهذه الممارسات الميلشيوية التي يعتمدها حزبه، بل يعتبرونه عدو لبنان واللبنانيين لأنه يصادر قرار الدولة ويتمسّك بسلاحه على حساب الشرعية، ويعطّل المؤسسات، ويحوّل الوطن ساحة ويعزل البلد عن الخارج وسياساته تؤدي إلى الفقر والجوع والهجرة. أما “القوات” فتقدّم صورة معاكسة وتناضل سعياً إلى دولة، وسيادة، ودستور، وقانون وحرية ونمط عيش كريم.
ربما من السهل لجعجع أن يعقد مؤتمراً صحافياً ويدحض فيه كل كلام نصرالله لأنه ركيك وغير منطقي ولا صعوبة في اظهار وقائع تؤكد عدم دقته وافتراءاته، وخصوصاً أن التحقيقات والفيديوهات كلها دحضت رواية “حزب الله” مؤكدة أن “لا قنص ولا كمين”، مما يعني أن التظاهرة كانت معدة سلفاً وموجّهة عن سابق تصوّر وتصميم من اجل اسقاط العدالة من بوابة عين الرمانة بعدما فشلت محاولاته إسقاطها من الأبواب السياسية والقضائية، مما يعني أيضاً أن ما حصل كله بدءاً من السياسة وصولاً إلى الميدان هو من إعداد “حزب الله” وتخطيطه وتنظيمه وتوجيهه.
كلام نصرالله في أكثر من محور في كلمته يدلّ على أنه لا يفهم المسيحيين، لأنهم لا يريدون أن يكونوا أهل ذمة، فهو اعتاد التعاطي مع مسيحيّي سوريا وجماعة “التيار الوطني الحر”، وهؤلاء لا يعكسون الطبيعة الحقيقية لمسيحيّي لبنان الذين عاشوا على مدى تاريخهم في لبنان المقاومة “الاسبرطية” وفضّلوا الاستشهاد على العيش كأهل ذمة، وربما من المستحسن أن يقرأ نصرالله وقائع تاريخية في مقاومة المسيحيين وبطاركتهم ضد المماليك والعثمانيين ثم الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى الاحتلالين الفلسطيني والسوري، والآن نضالهم ضد الهيمنة الايرانية. المسيحيون لا يحتاجون إلى حماية أحد، إنما يطمحون إلى دولة لا سلاح فيها الا سلاح الجيش اللبناني لحمايتهم، وإن تعذّر ذلك، هم سيكررون ما فعلوه خلال تاريخهم، إذ حموا أنفسهم بايمانهم وارادتهم الصلبة وسلاحهم فقط!
وارتكب نصرالله الخطأ الأكبر عندما تحدّث عن عدد عناصره في الهيكل العسكري لـ”حزب الله” متباهياً ومتوعداً، ولو كان العدد يفيد في الحروب لكانت مقاومة نصرالله ضد اسرائيل والولايات المتحدة مجرد “هذيان”، وربما أصبحت “رواية” تُروى للأطفال، لأن سلاح نصرالله بات “فزاعة” للداخل اللبناني يستخدمها لتخويف الأطياف والأحزاب اللبنانية وتطويعها. لكن ما يثير هلع نصرالله وحزبه أن دائرة الخوف تضيق، بل أن ردة فعل “القوات” الشجاعة تزعجه، وطردت شبح الخوف عن كثيرين من اللبنانيين الذين رفضوا “شيطنتها” وأحاطوها بعاطفة لافتة ومنحوها ثقتهم للاستمرار في النضال مهما كان الاستهداف خطيراً.
ما يفعله نصرالله لا يفيد لبنان بتاتاً في عيون المجتمع الدولي الذي يراقب باهتمام الأحداث، وتقلقه تهديدات نصرالله للقضاء والجيش و”القوات” ومفاهيم الحريات في لبنان. لقد انتقل نصرالله إلى مرحلة جديدة وهي ممارسات التنكيل والاعتداء على معارضيه مباشرة، مما سيطوّقه بحصار شعبي لبناني وعربي ودولي رافضاً لسياساته وتهديداته للسلم الأهلي.
