![]()
![]()
كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1721
«إن شئتَ أن تكون كاملاً فاذهب بِعْ جميع مُقتناكَ ووزِّع ثروتَكَ على الفقراء والمساكين وتعالَ اتبعني».
هؤلاء الغرباء عن عالمٍ تحوَّل بمعظمِه الى سوقٍ أُمميّةٍ ولحظةَ تملَّكت جوارحَهم الروحيةَ الأمنيَّةُ المسيحانيّةُ الأكثرَ غرابَةً وغُربَةً على علوم الإقتناء والأشدَّ صعوبةً وصرامةً على ذوي الأدمغة الإستهلاكية الرقمية لم يكن عندهم ما يوزِّعونَه ويَهبونَه لمُحتاجي الخبز والكسوة والدواء غير النهوض العظيم للتوغُّلِ بعيدًا جدًا من مرابع الثروات والإمكانيات سائرين إلى حيث تُتوِّجهم أساكيمُهم الملائكية ملوكًا داخل ممالك المغاور والكهوف ومطاوي الصخور وشقوق الأرض مُزَوَّدين بنشيدِ أناشيد وطن المناسك والصوامع: «لتفرحَ البريّةُ والقفرُ وتزدهرُ البادية وتُنشِدُ إنشادًا».
من منائر هذا الرعيل الأنطونيوسيِّ النسكيِّ حبيس محبسة مار جرجس التّابعة لدير مار أنطونيوس حوب ـ تنورين وأعجوبة سيَرِ حبساء محابس لبنان الأب أتناثيوس الصغبيني!
هو بشارة جرجس أبي مارون المولود في بلدة صغبين ـ البقاع الغربي عام 1786. دخل الرهبانية اللبنانية المارونية في دير سيدة مشموشة عام 1806 ولم يكن تجاوز سن العشرين. وسيم كاهنًا بوضع يد المطران عبدالله بستاني في 19 تشرين الأول 1826.
أشرقت بشارة الرب على الفتى الصَّغبيني بشارة بن جرجس بن أبي مارون ربيب عائلة البسطاء بالروح، المُتمرِّسين بإلقاء القمح في التربة الجيدة فاستجاب سنبلتهم المُثقَلة بحنطة المدعوين ليكون قربانًا رهبانيًا شهيًا، فمضى تاركًا خلف سنوات عمره الربيعي بيت والديه ومرتع صباه، قاصدًا دير سيدة مشموشة المعروف بسيدة الشوف، ليكون فيه فلاّحًا من فلاّحي الرب المُوجِّه محراثَه دائمًا إلى الوجهة الأمامية لمواسم السماء الخصيبة!
بعد أن حظي بميرون الكهنوت واستحقّ قسمُ الربّ غير النادم بأنه كاهن إلى الأبد صمَّم بشارة على تزيين إسمه الرهباني أتناثيوس بأوسمة النذور البطولية: الطاعة والعفة والفقر، آخذًا على نفسه المتألقة خدمة الرعايا واصطياد النفوس الثمينة للرب. ومن بين الوظائف والمهمًات الرهبانية لم يختَر إلاّ أن يكون كاهنًا فلاحًا يتعهّدُ المحافظة على دوام اخضرار أملاك وأرزاق دير سيدة مشموشة مدعومًا بآيةِ الحصاد الكثير الذي يحتاج إلى حاصدٍ باسلٍ من وزنِه
إستولَت على عقل وكامل إرادة الراهب أتناثيوس حكايات جهاد آباء البريّة الكبار وفرسان القِفار، فسار الروح من دير سيدة مشموشة إلى دير مار أنطونيوس حوب الرابض فوق تلٍّ قورشيٍّ من قمم تنورين، قارعًا باب محبسة مار جرجس حبيسًا تلميذًا لحبيسها البار الأب يواكيم الزوقي وذلك عام 1831 حيث أمضى برفقته 13 عامًا يكتسبُ منه جميع آيات أيام أول حبساء العهد الجديد يسوع الناصري المُتنسِّك الصائم داخل برية الأربعين يوم!
بعد إنتقال الأب الحبيس يواكيم للأقامة الأبدية في مساكن السّماء تسلَّقَ الأب أتناثيوس حياةً نسكيّة عجائبيةً بذات عجائبية نسكِ مارون الإلهي فوق جبل قورش، ونسكِ سمعان العمودي العجيب فوق العمود، ونسكيات كواكب براري الصعيد بولا وأنطونيوس وباخوميوس وأيلاريون طيلة عمرٍ نسكيٍّ فائق الوصف ناهز الخمسين سنة!
هذا الحبيس المُمارس حياة الشهداء التي اختارها بكامل وعيه وأرادتِه وبطولتِه لم يُجارِه جسده البشري حتى نهاية الشوط المرير، فانعدمت حركة أطرافه وتحكَّم الشلل بيديه ورجليه لجسد ملائكيٍّ هيوليٍّ. وفي مِلحمَةٍ قدسيةٍ تشتهيها ملائكة الرب كان الأب مرقس داغر التنوري الحبيس يضع مُعلِّمه أتناثيوس العجيب داخل سَلٍّ كبير من القصب ليحمله كل صباحٍ من قلاّيتِه إلى كنيسة المحبسة شاخصًا مُصليًا أمام بيت القربان حتّى المساء، ليعود التلميذ مرقس يحمل معلمه أتناسيوس عائدًا به إلى قلاّيتِه ليُرنّم ويُسبِّح ويشاركِ بصلوات قومات الليل الأربعة على صفحات الشحيم الآرامي الكبير!
أعجوبة محابس وحبساء لبنان بطل الرب أتناثيوس الصغبيني بعد أن تمَّم سعيه وحفظ إيمانه وطُرُقَ جهاده إنفتَحت له أبواب السماوات، فحلَّقت روحه المُضمّخة برياحين حقول حوب وتنوربن وصغبين إلى مكانه المحفوظ بين الأبرار والصديقين يوم 30 تشرين الثاني 1881!!
جنوب شرق ساحة دير مار أنطونيوس حوب يُقيمُ حتى يوم القيامة ضريح المغبوط الصغبيني شفيعًا لرعيان الجبال ولفلاّحي حقول الرب ولبنان ومُرشَّحًا رهبانيًا جديدًا ليرتفع فوق مذابح أقداسٍ تُعطَى للقديسين !!!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]