الانتخاب حقّ وواجب

النّظام الديمقراطيّ يعطي الشّعبَ حقَّ ممارسةِ سلطةِ التّقريرِ النهائيّ لمستقبلِه، وحقَّ اختيارِ الحكمِ الذي يجدهُ ملائماً لتصريفِ شؤونِه، ما يعني أنّ الشّعبَ هو المرجعيّةُ الأساسيّةُ للسلطاتِ، ومصدرٌ إلزاميٌّ لها، فلا تكونُ الهيئةُ الحاكمةُ مشروعةً إلّا إذا كانت ثمرةَ الإرادةِ الحرّة للنّاس، أو غالبيّتِهم. من هنا، كان للديمقراطيّةِ آليّةٌ، أو تطبيقٌ عَمَليّ، هي الانتخابات، أي الحقّ باختيارٍ حرٍّ يمارسُه الشّعب لإنتاجِ مجلسٍ تشريعيٍّ يمتلكُ، وحدَه، سلطةَ سَنِّ القوانين باسمِ الشَّعب، ولمصلحتِه، مُستَظلّاً الدّستور.

مبدأ الانتخابات الذي هو واحدٌ من ظواهرِ تطوّرِ الفكر السياسيّ في العالَم، يجعلُ الديمقراطيّةَ تَوأمَ الحريّة، ويؤكّدُ على أنّ السيادةَ هي للشّعب، كلِّ الشّعب، بعيداً عن أيِّ تَحَكّمٍ فرديّ، أو سلطةٍ ديكتاتوريّة تحتكرُ النّفوذ، ليعمَّ، بها، الفسادُ والظّلم. الانتخابات تقودُ الى حقيقةِ أنّ الديمقراطيةَ التي تقومُ على العقلِ، والإرادةِ الحرّةِ في الاختيار، هي حكمُ الشَّعبِ بالشَّعبِ للشَّعب، وما عدا ذلك تَزييفٌ صارخٌ، وتضييعٌ مُغرِضٌ لمفهوم الديمقراطيّة.

الانتخابات هي الوسيلةُ الوحيدة التي تُتيحُ للناسِ حقَّ المشاركةِ في إدارةِ الشؤونِ العامةِ لبلدانِهم، وهي ظاهرةٌ فريدةٌ لإرساءِ مبادئِ الديمقراطيةِ، وقواعدِها. والكلُّ يَعلمُ، بالدراسةِ، والاختبار، أنّ الانتخابات هي الإِجراءُ الذي يعبّرُ، بواسطتِه، المواطنون عن رغبتِهم، واختيارِهم لانتقاء حكّامِهم من بينِ المُرَشَّحين الذين يُفتَرَضُ أن يكونوا من النُّخَب، لتأمينِ إنتاجِ قوانينَ لترسيخِ كيانيّةِ الوطن، ولرعايةِ المصلحةِ العامة لشعبِه.

ولمّا كانت الديمقراطيةُ هي النّظامَ الأَمثلَ لسيادةِ الإرادةِ الشعبيّة، التزمَ لبنانُ هذا النّظام، ومارسَ إجراءاتِهِ، وطبَّقَ آليَّتَه بانتخابِ مواطنيهِ مَنْ يثقُ بهم من مُمَثِّليه الذين ينتدبُهم، بالاقتراع، لتولّي الحكمَ عنه، وباسمه، بطريقةٍ شرعيّة. واستناداً، يُحمِّلُ النظامُ الديمقراطيّ الشَّعبَ مسؤوليّةَ النتائجِ التي تُسفِرُ عنها العمليّةُ الانتخابية، وبالتالي، يُستَنتَجُ أنّ الانتخاب، بِقَدر ما هو حقٌّ للناس، هو، أيضاً، واجبٌ إلزاميٌّ ليس لهم أن يُديروا ظهورَهم له.

ولمّا كانت الانتخابات صيغةً قانونيّة تُقِرُّ بحقِّ الفردِ ممارسةَ دَورِهِ الوطنيِّ في اختيارِ ممثّليهِ في السلطة، كان على كلِّ فردٍ أن يطبَّقَ حقَّه في التَّصويت، وألّا يحرمَ نفسَه منه، حتى لا ينتفي، عنه، حقُّ المساءلةِ المحاسبة.

أمّا الواجبُ بما يعني المشاركةَ في العمليّةِ الانتخابية، فهو تطبيقُ ما ينصُّ عليه الدّستورُ، والقوانينُ المرعيّة، وكذلك، مفهومُ المواطنة، بإلزاميّةِ المشاركة، ولو بورقةٍ بيضاء. فعدمُ القيامِ بهذا الواجبِ يفترضُ عقوبةً من واجبِ الدولةِ التشدُّدُ في تنفيذِها بحقِّ المُخالِفين والمتقاعسين، كونَهم خالفوا منطوقَ النّظامِ العام للبلد. وإذا سُمِعَ اعتراضٌ على ذلك، بحجّةِ أنّ الحريّةَ تُعطي للمواطنِ الحقَّ بمقاطعةِ الانتخابات، فالاعتراض مردودٌ، أصلاً، لأنه يُسقِطُ الاعتراف بمسلّمةٍ هي الدَّور الوطنيّ للفرد، أو انخراطه في الشّراكةِ العموميّةِ في نظامِ قِيَمِ المواطنة.

من هنا، ينبغي على المواطنين قراءةُ الواقعِ بوَعيٍ، وبحسٍّ وطنيّ، حتى لا تتدحرجَ الأحداثُ بما يرسّخُ الوضعَ القائم، ويُبقي الوطنَ في دائرةِ النّار. فلا ظروفٌ تبريريّةٌ لعدمِ المشاركة، ولا أسبابٌ تخفيفيّةٌ مضمونةٌ لمواجهةِ نَحرِ الحقِّ بالتّغيير، والتخلّي عن الدورِ الوظيفيّ في مواجهةِ سلوكٍ مُدَمِّرٍ لكيانِ الوطنِ، ولكرامةِ أهلِه. إنّ التنصّلَ من المشاركة يعني، حكماً، إعطاءَ صكِّ براءةٍ للذين يُمعنونَ في الاستقواء، والفساد، والقهر، ويصادرون قرارَ الوطنِ تحت مسميّاتٍ، وذرائعَ مشبوهة.

في معجمِ التّغيير، تطفو على السّطحِ كلمةُ “مسؤولية”، وعكسُها يعني التَّقصيرَ، وهو جريمةٌ موصوفةٌ في زمنِنا المُعاش، وليسَ فضيحةً فحسب. إنّ اللّامبالاةَ هي نَأيُ المواطنِ الحرِّ بنفسِه عن أهمِّ واجبٍ لديه، ما يجعلُه، وبإرادتِه، يساهمُ بترسيخِ طأطأةِ جبينِ لبنانَ أمامَ مَنْ يسفكونَ سيادتَه، وكرامتَه، وحريّته، ويعتدون على مكوّناتِ وجودِه. أمّا المشاركةُ فهي صرخةٌ لها صَدىً يواجهُ الغَيارى على الحكمِ القَمعيّ، أولئكَ الذين أَلقوا بنا في أقبيةِ الذلّ، والفقر، والجوعِ، والتّهجير…

إنّ الرّهانَ على الإقدامِ الكثيفِ على الاقتراع، في الدّاخلِ وبين المغتربينَ والمقيمينَ في الخارج، قضيّةٌ تمسُّ الحياةَ بالذّات، وهي أسمى من أن يعلوَ عليها شيء. فالمشاركةُ هي سلوكٌ وطنيٌّ أخلاقيٌّ، يُمَتِّنُ فعلَ الكرامة كمرتكزٍ لوجودِنا في أرضِنا، واستمرارِنا فوقَها، وبالتالي، فالمشاركةُ غير قابلةٍ للمساومة، أو التّهويل، أو الرّضوخِ للابتزاز، إنّها، اليوم، مِحَكُّ الرِّجال، وقَدَرُ الرِّجالِ في المواقف.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل