خمول الداخل وخمائل الخارج

كما دوماً، أستهلُّ مقالتي بشرحٍ موجزٍ لِما تَضَمَّنَهُ العنوان. الخمولُ يعني الكَسَل، وفَقدَ الهمّةِ على الحركةِ والعمل، والخامِلُ هو الجامِدُ غيرُ النَّبيه، وفاقِدُ النَّشاطِ بقَرارٍ ذاتيٍّ غيرِ مفروض. أمّا الخمائلُ، ومفردُها خَميلة، فهي الأرضُ الطيّبةُ التي تُنبِتُ الشَّجرَ المُلتَفَّ، الوافرةُ الخَصبِ والكريمةُ العطاء. المقصودُ بالدّاخل، هم مَنْ رُفِعَت لهم آياتٌ في ألواحِ فَنِّ النَّهبِ، وأساليبِ الفسادِ، من حاكِمينا، أمّا الخارجُ فينابيعُ اللبنانيينَ المتفجِّرةُ إبداعاتٍ حَملتِ الكثيرينَ منهم الى القمّة.

عندما يتحدّثُ أركانُ السلطةِ عن شبكةِ الأمانِ التي يوفّرونها للنّاس، ننتظرُ إنجازاً ينبغي الإحتفالُ بهِ كالمولودِ من إمرأةٍ عاقر. إنّ شبكةَ الأمانِ هذه، بِقَدرِ ما يجبُ أن تنسحبَ على الدّاخلِ، أَمناً، واستقراراً، وعنايةً بحالِ النّاس، إقتصاديّاً، واجتماعيّاً، وصحيّاً، وتربويّاً… بِقَدرِ ما يجبُ أن تأخذَ بالإعتبارِ أولئكَ المُقيمينَ خارجَ لبنان، على صعيدِ حقوقِهم، لا سيّما السياسيّةَ منها.

إنّ مَن يمسِكون بزمامِ الدولةِ، عندَنا، الذين جعلوا مصالحَهم أولويّة، تخلَّوا عن دورِهم الوظيفيّ في حفظِ حقِّ النّسيجِ الوطنيِّ بعيشٍ كريم، وكذلك، نحروا ضرورةَ الإلتزامِ بحضورٍ فاعلٍ الى جانبِ المغتربين، والمهاجِرين، ولم يصدرْ منهم، في هذا المجال، سوى جُمَلٍ مفكَّكَةٍ ليسَ لها مَذاق، وفي ذلك نَايٌ فاضحٌ عن واجباتِهم الوطنيّةِ المُلزِمة.

إنّ المُقيمينَ في الخارجِ، أيّاً كانوا، وأينما وُجِدوا، ومن أيِّ زمنٍ تركوا الوطن، يتمتّعون بحقوقٍ شرعيّةٍ ينبغي إِدراجُها في بابِ أولى اهتماماتِ المُقيمين، دولةً وشَعباً على حَدٍّ سواء. فلا يغيبُ عن بالِنا أنّ الذين تركوا الوطنَ، تحتَ أيٍّ من الظّروف، همُ المُكَوِّنُ  الذي أعادَ لبنانَ الى الطاولةِ الأُمَميّة، والعالَمَ الى الطاولةِ اللبنانيّة، في مقابلِ حُطامِ محتوى مواقفِ النّفعيّينَ، ودُمى السّلطة، على مستوى الفائدةِ التي يمكنُ للوطنِ أن يجنيَها من تحرّكِ المُقيمينَ في الخارج، وعلى كلِّ صعيد.

إنّ الحناجرَ النَمَطيّةَ التي لا تستفيقُ إلّا على نَكزِ منافعِها، لا تُجيدُ سوى فولكلورِ العَبَثِ، والإنقلابِ على الحقِّ، وتشويهِ الحقيقة، وإهدارِ كرامةِ الوطنِ وأهلِه، وهي تعاني من خَلَلٍ مركزيٍّ إسمُهُ الحسُّ الوطنيّ. وآخرُ منجزاتِ المنفصِمينَ، وطنيّاً، دعوةٌ موتورةٌ الى إلغاءِ الإنتخابات، أو إرجاءِ السّماحِ للمغتربين بالمشاركةِ في دورتِها القادمة، أو تقليصِ هذه المشاركةِ بدائرةٍ لهم لا يكونُ لها أيُّ تأثيرٍ، أو فعاليّةٍ، في نتائجِ الإنتخاب.

إنّ هذا الوقفَ المرفوض، بقَدرِ ما هو مُهَشِّمٌ لصحّةِ مشاركةِ المغتربين، بقَدرِ ما هو مُهينٌ لهم بما يعنيهِ من استخفافٍ بهم، وتهميشِهم وطنيّاً، ودَفعِهم باتّجاهِ الإحباطِ، والإشمئزاز، ما يستتبعُ، ربّما، العودةَ عن الإندفاعِ في طرحِ قضيةِ لبنانَ فوقَ منابرِ دُوَلِ العالَم. في الحقيقة، إنّ مَنْ يتّخذونَ موقفَ إقصاءِ المغتربينَ عن المشاركةِ في الإنتخاباتِ القادمة، لأهدافٍ مشبوهة، هم بحاجةٍ الى تَسميدِ مساحاتِ حسِّهم الوطنيِّ المُقفِرةِ، بوجدانيّاتٍ ولائيّةٍ سليمة، بشرط أنْ يُشَرِّعوا نفوسَهم لتَقَبُّلِها.

 

أمّا حساباتُ هؤلاءِ الإنتخابيّة فواضحةُ، تماماً. إنّ أَعدادَ النّاخِبين، في الخارج، بإمكانِها، إذا توفَّرَت لها الظّروفُ اللّوجستيّةُ المناسِبة، وإذا توافَدَت، بكثرةٍ، الى صناديقِ الإقتراعِ في السّفاراتِ والقنصليّات، أن تقلبَ الطاولةَ على الذين يحلمونَ باستمرارِ تسلّطِهم، وتحكُّمِهم، ومصادرتِهم قرارَ الوطن، وترسيخِ هيمنتِهم بفَرطِ الفسادِ، والقوة. فغالبيّةُ الموجودينَ خارجَ لبنان، وإلى أيِّ مِلَّةٍ انتَمَوا، أو مَشرَبٍ، ضاقوا ذَرعاً بسلوكِ الجاثِمينَ على رأسِ السلطةِ، وعلى رِقابِ الناس، قَهراً، وظلماً، وكراهيةً، وافتراءً، وتلويثاً لصورةِ الوطن، وتدهوراً دراماتيكياً لحقوقِ الشّعبِ…وكأنّ هؤلاءِ المهاجِرينَ التَقَوا، في غالبيّتِهم الكُبرى، على تَدوينِ انقلابٍ يمكنُ أن تُطلَقَ عليهِ صفةُ ” الحَدثِ التاريخيّ ” الذي، به، ينبلجُ فجرُ التّنوير، والإنتقالِ الى زمنِ الدولةِ، ومنطقِ الحقّ، ونهضةِ لبنانَ بعدَ انحطاطٍ ضارٍ أعادَه الى ما قبل القرونِ الوُسطى.

إنّ المغتربين هم جزءٌ أساسيٌّ من كيانِ لبنان، تجذَّرَ الوطنُ في لاوعيِهم وفي عمقِ وجدانِهم، فما غابَت عنهم، بتاتاً، ثقافةُ الإنتماء. وهم، في دُوَلِ الإنتشار، حجمٌ فاعلٌ في قطاعاتِ الإقتصادِ، والسياسة، والثقافة، والإجتماع وسواها، وإمكانيّاتٌ هائلةٌ في تنميةِ هذه البلدانِ المُضيفة، وقيمةٌ إنسانيّةٌ راقيةٌ في مؤسّساتِها، ما بَوَّأَهم المراكزَ المرموقةَ التي ارتدَّت على الدّاخلِ تعويضاً عمّا يعانيه من تدهورٍ إقتصاديٍّ، بالتّحويلاتِ الماليّةِ المستمرّة، وإيجابيّةً على حَملِ القضيةِ اللبنانيّةِ الى المَحافلِ العالميّة.

إنّ مشاركةَ المغتربينَ في الإنتخاباتِ المُقبِلَة، حقٌّ طبيعيٌّ من غيرِ المسموحِ غَصبُهم إيّاه، ففي ذلك عَطَبٌ لِعَصَبٍ وطنيٍّ لا يزالُ يضخُّ قدرةً في جسمِ الوطنِ الذّاوي، وخَنقٌ لصَوتٍ مناضِلٍ في سبيلِ قضيّةٍ مقدَّسة. من هنا، فإنّ مشاركةَ المغتربينَ، وفي كلِّ الدّوائر، حقٌّ وطنيٌّ من شأنِه أن يبدِّلَ في النتائجِ، وفي مَنْ يُمسكُ بالقرار، وهذا، بالذات، ما يُرعِبُ ” الخِردةَ ” التي صَيَّرَت، بفسادِها، الوطنَ “خِردَة”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل