عراة بالقانون والحقائق… التسييس لصقاً على جباههم

بالمطلق، لا سذاجة في السياسة: هو الدرس الأول لأي راغب في خوض غمارها. من هنا، تفسير أي حدث أو خطوة من دون وضعها في إطارها السياسي هو إما خفة نابعة من عدم إلمام، وإما محاولة تعمية وتضليل تمارس على الرأي العام. وفي ضوء تداعيات الإخفاقات المتكررة لحزب الله وآخرها غزوة عين الرمانة، يستنزف الأخير كل ما في جعبته لإنقاذ قبضته الواهية على الحكم اللبناني مُسقطاً بذلك آخر أوراق التين التي كانت تحفظ ماء وجه مؤسسات الدولة ومن يجاريه لمكاسب سلطوية. ويرفع “الحزب” بذلك سقف المواجهة مع آخر أخصامه الجديين، أي حزب القوات اللبنانية ورئيسه سمير جعجع، بعدما أثبت النموذج “القواتي” صلابته ووزنه، وذلك على بُعد أمتار قليلة من خط الوصول للاستحقاق الانتخابي المصيري. وانطلاقاً مما سبق، أُبلغ جعجع “لصقاً” بوجوب حضوره إلى وزارة الدفاع في اليرزة صباح اليوم الأربعاء للإدلاء بإفادته حول “قضية أحداث الطيونة ـ الشياح ـ عين الرمانة بصفة مستمع إليه”.

وحملت خضة الاستدعاء ردود متباينة بين متضامنين مع السيادة والحق بوجه الدويلة والباطل وبين ماكينات شامتة حاقدة أو شياطين خرساء لا تقل سوءاً. لذا، “تشريح” هذه الخطوة وأبعادها سياسياً وترجمتها العملية قانونياً أساسي لتصويب البوصلة.

أولاً: في الإطار السياسي، يشير نائب رئيس الحكومة الأسبق غسان حاصباني الى أن مثل هذه الإجراءات تصب ضمن إطار بعث رسائل منطق القوة. أما عن خطوة استدعاء رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بذاتها، يوضح حاصباني أن المسألة تعتريها شوائب إجرائية خصوصاً أنه تم اتخاذها إثر انتهاء التحقيقات.

ويؤكد حاصباني، في حديث لموقع القوات اللبنانية الالكتروني، أن الجميع تحت سقف القضاء والعدالة وهذا يقضي بأن تتم التوقيفات بطريقة متكاملة أي ألا تكون من طرف واحد فقط خصوصاً أن الفيديوهات تظهر بوضوح عناصر منظمة ومدججة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة تطلق النار على الأحياء المدنية، موضحاً أن مثل هكذا أفعال لا تقع ضمن إطار ردود فعل فردية لا بل ضمن تنظيمات عسكرية موجهة.

ويضع حاصباني الاستهداف الحاصل لـ”القوات” ورئيسها ضمن مسار اتبعته السلطة ولا تزال بغية إحكام هيمنتها واضعاف خصومها، إذ بدأ هذا المسار بإبعاد الثورة وعزلها عن المعارضة السياسية كخطوة أولى، ومن ثم تفكيك الثورة بطرق قمعية، وصولاً الى الانقضاض على القضاء، فضرب الركن الوازن الأساسي في المعارضة أي حزب القوات اللبنانية.

ويحذر نائب رئيس الحكومة الأسبق، من بوادر محاولات لـ”تطيير” الانتخابات أو تحجيم قوة المعارضة لإضعافها قبيل الاستحقاق الانتخابي، والرهان على وعي الناس، داعياً لتصويب البوصلة نحو المشكلة الأساسية التي أوصلت لبنان الى ما هو عليه، أي من شارك بالفساد وغطى عليه لسنوات عدة.

ثانياً: من الناحية القانونية، يشير الخبير الدستوري المحامي سعيد مالك الى أن التخبط الحاصل ضمن القضاء العسكري يثير الريبة حول فرضية التسييس، اذ تم احالة الملف مع الموقوفين على النيابة العامة العسكرية، أي أن التحقيق انتهى، فلمَ استدعاء جعجع كـ”مستمع إليه”؟ ويوضح، في حديث لموقع “القوات” أنه مع إحالة الملف على النيابة العامة العسكرية، أصبح بعهدة القاضي فادي صوان، أي أنه يجب كف يد القاضي فادي عقيقي، مضيفاً أن استدعاء جعجع فيما لم يستدع أي من رؤساء الأحزاب الأخرى، والتي ظهر عناصرها بالفيديوهات والصور مدججين بالسلاح ومعلني الهوية، يعكس انتقائية في الإجراءات القضائية.

من جهة أخرى، يؤكد مالك ألا مصطلح قانوني يعرف بـ”مستمع اليه” وهذا يعني عملياً أن طلب الاستماع لجعجع هو بصفة شاهد. أما التداعيات القانونية المترتبة عن امتناع جعجع الحضور، وهو الأمر المرجح، وبحسب المادة 95 من قانون المحاكمات الجزائية، إما تعاد الدعوة، أو يغرّم المعني، أو تصدر مذكرة احضار بحق المتغيب.

بالمنطق والعلم، الركيزة الأساسية للنظم القضائية والقانونية، لا بل علة وجودها الجوهرية، مبدأ المساواة أمامها بالتطبيق. أما إسقاط النظري على الواقع اللبناني، يُظهر أن القاعدة هي الهيمنة للنخبة السياسية على حساب المؤسساتية، والاستثناء هو لقلة قليلة من الأفراد. بالتعريف، “النخب” في مجال معين، بحسب العلوم الاجتماعية، تعني الممسكين بالقرار فيه. أما “السياسة”، انطلاقاً من طبيعة النخبة السياسية اللبنانية، فيُحصر تعريفها بالصراع الدائم على النفوذ. تكمن الحكمة مما سبق في دوزنة أوتار الرقص على رؤوس أفاعي السياسة اللبنانية، أو بصريح العبارة التمييز بين ممارسات الأفراد وسياسات النخبة الحاكمة من جهة، وبين الإيمان بمنطق المؤسسات واستمراريتها من جهة أخرى. فلا يظنن أحد أن التصويب على التسييس ومواجهته في بعض أروقة القضاء ذات النهج “العضومي” أو أجهزة المخابرات التي تحن لزمن ولى، انتقاص للجسم القضائي أو الهيكلية الأمنية، لا بل هو واجب وطني وانساني. وعندما تصبح الاستنسابية قضاء يصبح العصيان واجباً.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية​​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل