Site icon Lebanese Forces Official Website

ما قاله جعجع في غدراس عام 1994

لا تبعد غدراس كثيراً عن معراب في المسافة، أما في السياسة فبين ما حصل في بداية التسعينيات واليوم، بونٌ شاسع. في الأيام القليلة التي سبقت اعتقال رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في مقره في غدراس، كنا نترقب ساعة الصفر. اليوم سيأتون أم غداً؟ قبل الاعتقال بأيام أتذكر شابات وشباناً، أصروا على الصعود الى غدراس. تجمعوا عند أسفل الطلعة التي تبعد أمتاراً عن مدخل المقر.

طُلب مني أن أنزل و”أهدئهم” وأن أنقل اليهم تقدير الحكيم لهم وأن أجد طريقة ليغادروا حفاظاً على سلامتهم. باءت مهمتي بالفشل. ما إن وصلت إليهم، تحولت متفرجاً لا يدري ما يجب فعله. صبية لا اعتقد أنها تجاوزت الثامنة عشر، سيطر عليها غضب صامت الى درجة شعرت بأن عدم السماح لها بالوصول الى مدخل مكتب الحكيم، قد يجعلها تنهار أمامي. تركت للحرس مهمة التعامل معها، وعدت أدراجي. يوماً بعد يوم أو ساعة بعد ساعة، بدأ يقل عددنا في غدراس. قبل اربعة أيام، على ما أذكر، وبعد ترتيبات معينة أنا والرفيق غازي جعجع، قال لي الحكيم، “ما بقا في لزوم تبقى هون”.

انحبست في منزلي الكائن على مقربة من طريق حريصاً، لكن بعد يوم أو يومين وصل رسول من غدراس، وقال، “الحكيم طالبك، لكن لا تصعد بسيارتك”. سيارتي كانت معروفة من قبل حواجز الجيش التي كانت تحاصر المقر. بعد تفكير سريع استقر الرأي أن أُشرِك معي في هذه المخاطرة، مدير عام اذاعة لبنان الحر يومها شوقي أبو سليمان، فهو صحافي وسيارته لم تكن مرصودة كسيارتي، وهو صحافي معروف، لربما هويته الصحافية تشفع في وصولي وعودتي بأمان من غدراس. ماذا اراد مني الدكتور جعجع يومها، أتركه لمناسبة أخرى. المهم أن طريق غدراس في 1994 لم تكن تشبه طريق معراب في 27 تشرين الأول 2021. والزوار اختلفوا أيضاً. كل زائر لغدراس كان يحمل خبراً سيئاً. أذكر زائراً وحيداً حمل في تلك الأيام خبراً مطمئناً، إنه مدعي عام التمييز منيف عويدات الذي عاد وانهال بادعاءاته على الدكتور جعجع! الحصار على مقر غدراس حصل بالتدرج. في بادئ الحصار تُركت للدكتور جعجع مساحة تحرك بشعاع قدره نحو خمسمئة متر. عند مدخل بلدة الكفور كان ينتهي “عرين الحرية”. مرة، ونسيت السبب، خرجنا بالسيارة معه في نزهة ضمن الخمسمئة متر. الحكيم وأنا وشخص ثالث. الثالث أفسد النزهة بسيل لا ينتهي من التذمر والاعتراض على هذا الظلم اللاحق بالحكيم والقوات. على عكسنا عالج الحكيم الموقف بالسخرية المُرة، وقال: “إنها خمسمئة متر وماذا نريد أفضل من ذلك؟ ها نحن نتجول هنا بحرية، ونتمتع بالمناظر الخلابة! مهما حاصرونا ونكّلوا بنا، إذا تركوا لي فقط عشرة في المئة من حرية التحرك، هذه العشرة في المئة تكفيني هذه الأيام”! النظام الأمني السوري اللبناني لم يترك للحكيم وقتها ولا واحد في المئة، وكان ما كان من سنوات الظلم والاضطهاد والاعتقال.

منذ “غزوة عين الرمانة” وأنا أقول لنفسي، خصومنا أذكياء فكيف يوقعون أنفسهم بهذه الأخطاء؟ ما قصتهم ينتقلون من “فاول” إلى آخر؟ ثم تذكرت أن كل مستبد يعيش في فقاعته ويرفض دروس التاريخ والمنطق. هكذا حصل مع رودولف هتلر وعدد من “الهتالرة” العرب والعجم.

Exit mobile version