قرعت الاجراس ولبنان على طريق معراب

كانت أجراس الكنائس تقرع بحنان بالغ في معراب وزحلة ودير الاحمر وبشري والكثير من المناطق اللبنانية الحرة. كان ثمة شعور غريب ممزوج بالخطر والفخر، بالخوف والشجاعة المطلقة، بالاندفاع والحذر. الطريق الى معراب محفوف بسيدة حريصا، وبالصرح البطريركي، وبكل ذاك العنفوان الفائق الحضور. الطقس تشريني جميل يتماهى مع الحدث الكبير. “شو وين صرتو يا شباب؟”، أسأل رفاقي الآتون من البقاع الغربي “يللا خمس دقايق نطرونا فيرا ومننطلق سوا”…وانطلقنا، وذابت سياراتنا في بحر السيارات الغامر المنهال من كل أصقاع لبنان.

من نفق نهر الكلب بدا المشهد خيالياً، كأنه فيلم سينمائي فيه ما فيه من الخدع السينمائية، ليبدو حجم الحشود اكبر، لكن لا، هذه كانت صورة الواقع من دون روتوش ولا فوتوشوب، آلاف السيارات والاعلام على خط واحد مستقيم، تتقدم ببطء احيانا بوتيرة اسرع احيانا اخرى وكأنها تمرّنت قبل أسابيع لتأتي المشهدية منتظمة على ما هي عليه، و”حق الله” هو انتظام الالتزام بهذه الارض، بالقوات اكيد، بلبنان قبل الكل.

في هذا الوقت كان محامو الدكتور جعجع يتقدمون بطعن بقرار القاضي فادي عقيقي، الذي قضى باستدعاء سمير جعجع الى التحقيق! تصوروا أي استدراج خططوه للايقاع بالرجل الكبير!! قرعت الاجراس منذ الليل في انحاء لبنان المعتّم، فكانت اصوات الاجراس تتبادل طنينها من قاطع لقاطع، تنده اللبنانيين على الخطر الداهم على كيان لبنان. قرعت الاجراس وكانت تنده على الاحرار لكي يلبوا نداء الخطر وليكونوا واحدا في مواجهة اسوأ ما واجه لبنان في تاريخه القديم والحديث، سطوة الاحتلال الايراني الذي يغزو كل معالم لبنان، ويلتف على كيانه ووجوده ليمحو تدريجا معالمه.

قرعت اجراس لبنان حين علم الاحرار ان رمز النضال لاجل الجمهورية الحرة القوية، سيساق من جديد الى محاكم الزور، ليقتلعوا من لبنان آخر معاقل الحرية وآخر جبهات المواجهة لمشروعهم القاتل، فقرر الاحرار اذن التصدي بأجسادهم لهم، واذا اقتضى الامر منع الحكيم فعليا من القيام بأي حركة في اتجاه وزارة الدفاع، فكان القرار الشعبي الكبير باقفال الطرقات والزحف عن طريق بكركي الى معراب، في تحرك رمزي بالغ الدلالات، لاعلان الرفض المطلق لهيمنة حزب الله على القضاء، ورفض استجابة الحكيم لهذا الاستدعاء الذي كان من الممكن ان يكون قاتلا له وللبنان لو اذعن واستسلم.

“ما بحياتي كنت قوات لبنانية وانا ما بحب الاحزاب اصلا، بس طلعت على معراب لمساندة قضية محقة لمساندة بلدي وليس شخص، لان يلي صار بيمسّ كل لبناني حر بهالبلد وبقلو للدكتور جعجع اوعا يطلع على وزارة الدفاع لو استدعوه الف مرة بعد”، تقول صبية جاءت مع عائلتها من المتن، حملت العلم اللبناني وصرخت مع صرخات الشباب والصبايا المطالبين بالسيادة وباستقلال القضاء وحماية المحقق العدلي القاضي طارق بيطار.

لم تكن وجوه المعتصمين عادية، كان فيها ثمة فرح، أو لنقل هيك بعض كثير من الامل والفخر والامتلاء، والكثير من الاندفاع للمواجهة “دماتنا للحكيم اكيد، بس دماتنا هالمرة ما رح نقبل يروحوا هدر، حق كل شهيد منا وطن حقيقي” يقول الياس، فيقاطعه غسان “اذا بدن نستشهد كرمال نحقق السيادة نحنا جاهزين، طلعتنا اليوم على معراب لدعم لبنان الحر من خلال مواقف الحكيم، انا مش قوات لبنانية لكني مع الحق، وما يقوله ويفعله دكتور جعجع لا يصبّ الا في خانة الحق ولازم نكون منصفين بحقو”.

كانت الوفود تتكاثر، منهم من قرر الاعتصام عند ابواب بكركي، ومنهم من صعد الى معراب لتوجيه رسالة دعم واحترام للحكيم. لم تكن الحشود قواتية صرف، بل على العكس، كانوا لبنانيين شرفاء من كل الطوائف والمناطق، غاضبون مضرّجون بالضيق والذل والقهر، تخلت عنهم دولتهم ومارست بحقهم اسوأ انواع الاضطهاد اليومي، ولم يسمعوا او يلمسوا مواقف واضحة وطنية شفافة الا من سمير جعجع، بحسب قولهم “صار الوقت انو نلتف كلنا حول هالشخصية الوطنية الكبيرة، جعجع ما بيمثل القواتيين وبس، بل كل اللبنانيين العطشانين للحرية ولكرامة بلادن واستقلالها، وانا كنت خايف يطلع ع اليرزة صراحة لان خفت على حياتو منهم لان ما عندن خطوط حمر، كلن مجرمين” يقول احمد الوافد من طرابلس مع اصدقائه واقاربه.

لم تدخل الحشود الى الباحة الخارجية للمقر العام في معراب، بل اكتفت بالانتشار الكثيف حول المكان، وزنّرته من الاتجاهات كافة، وكأنها شاءت ان تبعث برسالة الى السلطة بانها تحمي الحكيم بأجسادها، ووصلت الرسالة بوضوح فجّ الى الجميع. بدا المكان وكأنه سياج بشري حول سمير جعجع، ولا احد يمكنه اختراقه الا السماء، والسماء كانت تضحك لهؤلاء الاحرار، الذين اتوا للتعبير بشكل سلمي حضاري عن امتنانهم لمواقف الحكيم من جهة، وعن رفضهم للقضاء المسيس ولمنطق الاستقواء بالسلاح واسلوب العنجهية والفوقية في التعاطي مع الناس من قبل السلطة واحزابها.

انتظرت الحشود ان يلقي الحكيم كلمة، لكنه لم يفعل. لم يشأ ان يأخذ الضوء من هؤلاء الناس، لم يشأ ان يسلب منهم حضورهم المدوي في قلب الكرامة والانتصار على الباطل. كان يريد ان يسمعهم، كان هذا يومهم ليعبّروا فيه عما يريدون، خصوصا بحضور وسائل اعلام اجنبية وعربية شهدت على الحدث الكبير ودوّنت في مفكرتها، ان شعب لبنان ثائر وغاضب على حكامه، ويفعل المستحيل ليستعيد سيادته من فك الاحتلال، وان ما حصل في غزوة عين الرمانة هو اعتداء موصوف على الآمنين، ما استدعى دفاعا عن النفس، وبدل ان يحاكم المعتدي يخرج بريئا ويحاكم المعتدى عليه.

هذا ما جاء الناس ليعلنوه في معراب، ولم يكن امام جعجع سوى ارسال كلمة شكر وامتنان لهم على فائق الكرامة الذي قدموه للبنان بدعمهم للمواقف المحقة “أتيتم اليوم من كل المناطق رفضا لتسييس القضاء ورفضا لملاحقة المعتدى عليهم اتيتم دعما للتحقيق في انفجار المرفأ وتأكيدا بأن المرتكب في المرفأ وعين الرمانة لن يفلت من العقاب. فشكرا من القلب لكم جميعا وعهدا ان نبقى معا انتصارا للحرية والحق والعدالة وصونا للبنان ومستقبل أجياله الآتية” قال في رسالته المقتضبة المعبّرة.

انتهى الاعتصام. عدنا الى بيوتنا مفعمين بالشجاعة والامل بان طالما القوات اللبنانية حاضرة، هي اذن درع لبنان، طالما في لبنان شعب حر حي يضج بعنفوانه، يعني لبنان سيتحرر حتما، اما عيون السلطة البائدة تلك فلن تنام بعد اليوم… “وحياة رب هالدني رح نضل نزعجن” كما قال يوسف ابن عيناتا الارز.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل