.jpg)
رغم السحابة السوداء التي تظلل العلاقات اللبنانية السعودية والموقف الحرج الذي وضع وزير الاعلام جورج قرداحي لبنان فيه بسبب كلام لا ينسجم مع العلاقات التاريخية بين لبنان والسعودية، تشكّل علاقة السعودية بحزب “القوات اللبنانية” بارقة أمل، وهذا تراكم أدى إلى ثقة متبادلة بين الطرفين، لأن العلاقة مبنية على الاحترام المتبادل ووضوح الرؤية الاستراتيجية السياسية المشتركة حول ما يجب أن يكون عليه لبنان في المستقبل، وهذا ما كانت تطمح اليه القيادة السعودية مع كل القوى السياسية اللبنانية.لكن بعض القوى، وفي مقدّمها “حزب الله”، اصطف في محور عدائي ضد السعودية والخليج عموماً، وجعل من نفسه رأس حربة للمشروع الايراني الذي أجّج الصراع مع العرب وخصوصاً السعودية لأهداف توسعيّة. وقد اصطف إلى جانب “الحزب” كل من “التيار الوطني الحر” و”المردة” وحركة “أمل” و”الحزب القومي السوري الاجتماعي” وبعض الشخصيات المنتفعة من محور الممانعة، وحتماً شمل الغضب السعودي بعض المتقاعسين او دعاة ربط النزاع مع “حزب الله” متل تيار “المستقبل” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” وتيار الرئيس نجيب ميقاتي.
هذا الأمر أثار غضب القيادات السعودية التي رأت لبنان ينزلق في محور المقاومة والممانعة، رغم كل الدعم السياسي السعودي للقوى السيادية التي سجلت تراجعاً في المواجهة وبدت غير قادرة على الصمود، إلا “القوات اللبنانية” التي حافظت على ثوابتها ومبادئها وروحها السيادية، حاملة روح 14 آذار أمام كل التحديات، وهذا ما أكسبها ثقة القيادة السعودية، وأبقى التواصل بين الطرفين قائماً، حتى أن آخر زيارة قام بها السفير وليد البخاري منذ يومين قبل مغادرته لبنان كانت لمعراب حيث التقى رئيس حزب “القوات اللبنانية”، وكانت مسألة كلام قرداحي “المنحرف” ضد السعودية وغير المفيد للمصلحة اللبنانية على طاولة البحث.
رغم كل الشائعات والتأويلات والأقلام “الممانعة” المغرضة التي تحاول أن تصوّر علاقة السعودية بـ”القوات”، بأنها علاقة استتباع من الثانية إلى الأولى، إلا أنها في الواقع علاقة استراتيجية محترمة. فالسعودية لا ميليشيات لديها في لبنان ولا تزوّد القوى السياسية الصديقة لها بالسلاح والتدريب، إنما تريد محافظة لبنان على علاقاته الوثيقة مع محيطه العربي، وتجنّب إدخاله في محاور تتنافى مع الدستور اللبناني، وهذا يتلاءم مع تطلعات “القوات” ورؤيتها السياسية.
وفي ظل سقوط لبنان الرسمي المتمثّل برئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزرائه والأكثرية في المجلس النيابي، في يد “حزب الله” وهيمنته على كل المؤسسات الدولة، تبدو السعودية أكثر ارتباطاً بـ”القوات” التي تواجه بقوة هذه الهيمنة، بل تكاد تكون الصوت الوحيد الصارخ في بريّة الوطن. ولا شك في أن السعودية تتطلع كـ”القوات” إلى استحقاقي الانتخابات النيابية والرئاسية لإسترداد لبنان من السيطرة الايرانية، لذلك لا يسعها اليوم التساهل مع سلطة كرّست نفسها للاساءة إلى المصالح العربية والخليجية، وتموضعت في كنف محور المقاومة والممانعة، ذاك المشروع المذهبي التخريبي الذي لا يشبه لبنان الحضارة والتاريخ والازدهار والانفتاح على المجتمعين العربي والدولي.
ردة الفعل السعودية والخليجية القاسية حيال السلطات اللبنانية تفهمها “القوات اللبنانية”، رغم أنها تأمل لو لم تتصعّد لأنها تهدد مصالح الشعب اللبناني والاقتصاد الوطني، لكن يبدو أنه طفح الكيل، وبات على اللبنانيين الحريصين على وطنهم ومصالحهم الانتفاض في وجه هؤلاء الممانعين الذي يجرّون الويلات الى لبنان، علماً أن لا بلد ممانعاً إلا وأصبح منكوباً!
تردي العلاقات اللبنانية – السعودية لن يؤثر على العلاقة بين السعودية و”القوات”، ورئيس الحزب سمير جعجع يُدرك ان السعودية ستساعد في تحرير لبنان من الهيمنة الايرانية في المحافل العربية والدولية، وعندما يتحرر ستقدم له المساعدات المالية، وستستثمر في مشاريع نهضته الاقتصادية والعمرانية، وترعى المصالحات والحلول، ولن تتوقف عن استقبال اللبنانيين وتوفير الإقامة لهم وفرص العمل.
وتقتنع “القوات” بأن المملكة تفهم معنى وجود لبنان وقيمته في قلب العالم العربي، ولم تسعَ يوماً إلى تحميله وزراً أو صراعاً أو نزاعاً، لا بل كانت تهبُّ لتحييده، وضمان سيادته واستقلاله، وهذا ما يميّزها عن الآخرين.
لقد شوّه “التيار الوطني الحر” العلاقة مع دول الخليج، وتحديداً السعودية، واعتمد خطاب ايران و”حزب الله” في ما يتعلق بحرب اليمن والصراع بين السعودية وإيران، وحتماً هذا ينسحب على تيار “المردة” ووزيره جورج قرداحي، مما جعل علاقة قسم من المسيحيين اللبنانيين سيئة مع الخليج، من هنا يأتي دور “القوات اللبنانية” للتخفيف من النقمة الخليجية حيال المسيحيين اللبنانيين، علماً أن السعودية لا تسعى الى نسج علاقات مع افراد وطائفة في لبنان بل تطمح إلى علاقة ما بين الدولة السعودية والدولة اللبنانية، إلا أنها في ذروة التأزم حالياً كسرت الاستثناء مع “القوات” والكنيسة المارونية اللذين يشكّلان صمام أمان للإبقاء على الصلات بلبنان السلام والازدهار والانفتاح والتاريخ الذي يحبه الخليجيون والسعوديون.