
لا يكاد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يفكِّك لغماً زُرع على طرقات حكومته “المتعرّجة”، حتى ينفجر لغم آخر في وجهه يُذهب جهوده للملمة الوضع عبثاً. ولعلَّ أخطر الألغام التي انفجرت هو الأخير، والذي أدى إلى انهيار غير مسبوق في العلاقات اللبنانية السعودية خصوصاً واللبنانية الخليجية عموماً، يُنذر بانفجارات ارتدادية أخطر وأشد قسوة، إن صحَّت الأنباء التي تتردد عن احتمال وقف التحويلات المالية من دول الخليج إلى لبنان على أنواعها. فبذلك يسقط أحد أبرز عناوين برنامج الحكومة، التي وضع رئيسها مسألة إصلاح علاقات لبنان مع أشقائه العرب، خصوصاً وبدءاً من السعودية ودول الخليج، في رأس أولويات حكومته.
موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، استطلع رأي باحثٍ في أحد المراكز الإقليمية الأساسية، فضَّل عدم الكشف عن اسمه، لمحاولة استقراء ترددات الأزمة والاحتمالات الممكنة للاتجاهات التي ستسلكها، فأكد أنه “في حال تطورت الأمور إلى وقف التحويلات المالية من بلدان الخليج إلى لبنان، سيكون الأمر كارثياً بما لا يمكن تصوُّره”.
ويقول، إنه “في حال تفاعلت الأزمة إلى حد الاستغناء عن خدمات قسم من اللبنانيين العاملين في دول الخليج مثلاً، علماً أن أعدادهم تفوق الـ400.000، هذه كارثة بكل ما للكلمة من معنى، ولا يمكن للبنان تحمُّل مضاعفات عودة عشرات آلاف اللبنانيين من دول الخليج في وضعية عاطلين عن العمل في ظل الانهيار الحاصل”.
لكن الباحث ذاته، يوحي بشيء من التفاؤل على صعيد “المحاولات القائمة لترميم الوضع ومنع تفاقمه”. فعلى الرغم من إشارته إلى أن “هناك تداعيات خطيرة لهذه الأزمة على لبنان، وكل شيء ممكن بحسب تطورات الأمور”، يسارع إلى القول، إن “هناك ما يلجم انهيار الوضع أكثر دولياً”، معرباً عن اعتقاده بأن “الأمور لن تصل إلى هذا المستوى”.
ويشير الباحث، إلى أن “التحويلات المالية من اللبنانيين العاملين في دول الخليج تقارب المليار ونصف مليار سنوياً”، لافتاً إلى أن “أكثر من نصف هذا المبلغ، بحدود 900 مليون دولار سنوياً، يأتي من اللبنانيين في السعودية، لأن تكاليف المعيشة في المملكة أقل من غيرها في دول الخليج الأخرى، بالتالي يمكنهم إرسال مبالغ أكبر إلى عائلاتهم في لبنان”.
وبالإضافة إلى ذلك، يلفت الباحث، إلى أن “الصادرات الصناعية والزراعية اللبنانية إلى السعودية لوحدها تساوي نحو 240 مليون دولار تقريباً سنوياً، فضلاً عن الاستثمارات الخليجية في لبنان والتي تقدَّر، ما قبل مرحلة كورونا، بملياري دولار سنوياً. بالإضافة إلى السياحة الخليجية في لبنان، قبل الفترة ذاتها وقبل تدهور الأوضاع اللبنانية الخليجية، إذ كان يأتي أكثر من 500.000 سائح خليجي إلى لبنان سنوياً، سعودي وإماراتي وقطري وكويتي، وغيرهم”.
كما يشير، إلى أن “هناك شركات لبنانية كثيرة غير مقيمة في الخليج وتُنجز أعمالها من لبنان لصالح شركات ومؤسسات خليجية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، عدد من شركات الدراسات الهندسية التي لا تتطلب حضوراً مباشراً في دول الخليج، تُنجز الخرائط المطلوبة للمشاريع التي تقام هناك من لبنان، وتُرسلها إلى صاحب المشروع أو المقاول الذي يقوم بتنفيذه في الخليج. وتتقاضى هذه الشركات بدل أتعابها عبر التحويلات المصرفية أو غيرها من الخليج”.
وأيضاً، يلفت الباحث، إلى أن “هناك شركات لبنانية عدة تمتلك فروعاً لها في دول الخليج، بل إن بعضها نقل أعماله الرئيسية إلى هناك وأبقى على فرع للشركة في بيروت، والعاملون في لبنان تُرسَل لهم معاشاتهم الشهرية من الفرع الخليجي للشركة. بالتالي توقُّف التحويلات المالية من الخليج، إن حصل، يعتبر كارثياً لهذه الشركات ولموظفيها”.
ويشدد، على أن “كل هذه القطاعات، وغيرها، ساعدت على صمود اللبنانيين ودعمت الاقتصاد اللبناني، وساهمت بضخ العملات الأجنبية في الاقتصاد بظل الأزمة الخانقة والانهيار الحاصل في لبنان، ما كان يلجم الدولار إلى حدٍّ كبير”.
ويعرب الباحث عينه، عن خشيته من أن “أي وقف للتحويلات المالية من الخليج إلى لبنان، ووقف استيراد الصناعات والمنتوجات اللبنانية، بالإضافة إلى منع سفر الرعايا الخليجيين إلى بيروت وخسارة مئات آلاف السياح نهائياً، يعني أننا سنخسر مليارات الدولارات سنوياً كانت تضخ في الاقتصاد”، معتبراً، أن “لا حاجة في هذه الحالة للتكهن بمستوى الانهيار الذي سنصل إليه، فوق الانهيار شبه التام والوضع المأسوي الذي نعيشه أساساً في لبنان حالياً”.
أما عن وضع الدولار، في حال تطورت الأزمة إلى هذا المستوى، يرى الباحث نفسه، أنه “من المستحسن عدم توقع رقم معيَّن لسعر الدولار في السوق السوداء في هذه الحالة، لأن سعر الصرف سيكون خيالياً، وسنكون أمام كارثة اجتماعية ومعيشية أين منها ما نعانيه اليوم”.
“لكن ليس بالضرورة أن نصل إلى هذه الكارثة الشاملة، على الرغم من أنها تبقى احتمالاً وارداً”، وفق الباحث ذاته، الذي يضيف، أن “المجتمع الدولي يكثف الجهود لرأب هذا الصدع الخطير في العلاقات اللبنانية الخليجية، وخصوصاً بطبيعة الحال، بل أولاً، في العلاقات اللبنانية السعودية”.
ويوضح، أن “المجتمع الدولي يكثف مساعيه للمعالجة، وذلك خوفاً من انهيار الوضع اللبناني برمّته، بحيث تصبح الانتخابات النيابية المقبلة التي يعوِّل عليها اللبنانيون والمجتمع الدولي لإحداث خرق في الوضع وتغييره باتجاه طبقة سياسية أكثر نزاهة ومصداقية، بما يوقف الانهيار ويسمح بإعادة النهوض، في خطر جدي لناحية إمكانية حصولها وربما في خبر كان”.
لكن أيضاً، يضيف الباحث، “تبعاً للتداعيات التي يمكن أن يشكلها هذا الانهيار وتشظِّيه على مستوى المنطقة بأكملها، وهذا ما يحاول المجتمع الدولي تفاديه في هذه اللحظة الإقليمية الحرجة، في ظل حكومة باتت في حال شلل شبه تام بفعل توجهات وممارسات بعض مكوناتها الأساسية”.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
