مشروع الهاوية

من حقِّ الناس، عندنا، أن يشعروا بالضِّيق، والاشمئزاز، والكفرِ بالمسؤولينَ السّاقطين، لأنهم معلَّقون على وترٍ ضعيفٍ فوق هاوية. والاشمئزاز ليس مُتَخَيَّلاً، بل هو انعكاسٌ لبشاعةِ واقعٍ افتعلهُ أصحابُ السّلطة، بفسادٍ أتى على مقوّماتِ الوطن، وبأَذرعٍ أخطبوطيّةٍ لم تتركْ في رِئِتَي البلدِ أيَّ نَفَس.

أنّ أركانَ الحكمِ، المُقَنَّعين بالعفّة، والفضيلة، وقِيَمِ الشَّرف، والواعدين الوطنَ بالأعياد، قد نحروا سمعةَ لبنان، ووضعوا أملَ الناسِ على فوّهةِ فقرٍ، وبؤسٍ، وعطّلوا مصالحَ الدولةِ بهلهلةِ مساخرِهم، وغبائِهم المتمادي.

إنّ التصريحاتِ المَقيتةَ الأخيرةَ التي تُظهِرُ الانفصام التامَ عن الحسِّ الوطنيّ، قد زعزعت فرصَ نهوضِ الوطنِ، وشلّعَت روابطَه مع الخارجِ، لا سيّما العربيّ، وسحقَت كلَّ إمكانيّةٍ لعودةِ الوطنِ الى كَنفِ الوطن. والغريبُ أنّ الوقاحةَ المُستَقويةَ في الأداءِ الأَعوج، لا تقيمُ اعتباراً لقانون، أو لبروتوكولٍ خُلقيّ، وتضعُ رقابَ الناسِ تحتَ مقصلةِ اليأسِ، والإفلاس، والجوع، والهربِ من براثنِ شياطين هَمُّهم بسطُ هيمنةٍ هجينةٍ على مساحةِ لبنان، وخَتمُ كرامتِهِ وسيادتِهِ بالشَّمعِ الأصفر.

في هذا الزمنِ الذي لا يُرى من خلالِ نوافذِهِ إلّا قرصَنَةُ الوطن، ينبري المتلوِّنون الى شَنِّ هجوماتٍ مسعورةٍ ضدَّ الأقربين والأبعدين، مُدرِجينَ فيها ما لذَّ لهم من العدوانيّةِ، والعنفِ الكلاميّ، حتى لَنَحسبَ أنّهم في صَدَدِ إثباتِ رجولتِهم. وهؤلاءِ لا يدرون، أو يدرون، أنّ الضَّرَرَ الذي يتجرّعُ مرارتَه البلدُ وأهلُه، يطاولُ أمنَهم، ووجودَهم، واستقرارَهم، وثَباتَهم في أرضِهم، ولقمةَ عيشِهم، وتَسييبَ حقوقِهم…

إنّ الصَّمتَ هو نَومٌ في كهوفِ التَعَفّنِ العقيم، وهو القَبولُ الذَّليلُ باستعمارٍ مُعيبٍ، وهو توجُّهٌ صوبَ التّطويعِ، وهو تنازلٌ موصوفٌ عن الحقِّ، وهو انسحاقٌ تحتَ الأغلالِ والوحل. فالصّمتُ عِرفٌ قبيحٌ يَستحسنُ الاختفاء أمامَ مُقتَرِفي الظلمِ، والتسلّطِ، وإبادةِ كيانِ الوطن، وهو سلوكٌ يخفي خَللاً بُنيَوِياً في عنفوانٍ أرداهُ الخوف، وفي مواجهةٍ شلَّها التّراجعُ عن التصدّي. إنّ مشروعَ إسقاطِ الوطنِ لترتفعَ على أطلالِهِ شرعةٌ بديلة، هو انقلابٌ سافرٌ يسعى الى تشكيلِ خارطةٍ غيرِ لبنانيّةِ المساحة، وذلك للإطباقِ على القرارِ، والقضاءِ على لبنان.

إنّ الوقوفَ في وجهِ هذه التّصريحات، بل في وجهِ مَن هم خلفَها، ينبغي أن يُطَعَّمَ بجرعةٍ وافيةٍ من الشّجاعة، ومن العيارِ العالي، رَفضاً للقَمع، وللخضوع، ولِما يُحاكُ، وبشكلٍ متصاعدٍ، للوطنِ من انحرافٍ عن شخصيّتِهِ ليصبحَ حيثيّةً مهشَّمةً، ونموذجاً لمجتمعٍ متفسِّخٍ، يَحوي كومةً من الناسِ لا حولَ لهم، يَسهلُ جرُّهم الى مسارٍ غريبٍ مُلَوَّث.

إنّ الطّلاقَ الذي يفرضُ نفسَه في تصريحاتِ “المَلافنةِ” من أهلِ السياسةِ، والسلطة، بين نُخاعاتِهم، ومصلحةِ الوطن، لا يمكنُ وَضعُه إلّا في دائرةِ الإسفاف، وهو طلاقٌ مع رزانةِ الانتماء، ومع الوجدانِ الوطنيّ، ومع اللياقةِ في التعاطي السياسيّ، ما يُفقِدُ الوطنَ علاقتَه بأَصلِهِ، وتراثِهِ السياديّ، وهويّتِهِ، ويتولّى جريمةَ تجنيسِهِ مُلحَقاً بطَرَفٍ لا يمتُّ له بِصِلَة، وكأنّ لبنانَ ما كان.

نحن نرفضُ، قَطعاً، أن يكون لبنانُ في جَيبِ أيٍّ من المحاوِر، وهذا موقفٌ لا التباسَ فيه، فولاؤُنا للوطنِ، من دونِ سواه، قضيّةُ التزامٍ مُنَزَّلَةٌ في وجدانِ كلٍّ منّا، يترجمُها سلوكٌ وجوديٌّ صفاتُهُ الدّفاعُ، والتضحيةُ، ومجابهةُ الأخطارِ التي تستهدفُ الأرضَ والشّعب. ولن نرضى أن يُصابَ هذا العصبُ الذي يضخُّ القدرةَ في جسمِ الوطن، فمجابهةُ المشبوهينَ حقٌّ مُكتَسَبٌ، وهو ليس حقّاً سياسيّاً، بقَدر ما هو حقٌّ كيانيّ، وإيديولوجيّ.

يسعى ناهِبو الكيانِ الى تقويضِ الوطن، تارةً بالعنف، وتارةً بالقضاءِ على القضاء، وتارةً بالتّرهيب، وأخيراً، بتَعويمِ تصريحاتٍ وخطاباتٍ مُغرِضَة، وكلُّ ذلك وصولاً الى جعلِ لبنانَ محميّةً مسلوبةَ الوجود، والحرية، والسيادة، منفصِلَةً عن إقليمِها المعروف، وعن انتمائها الى المجتمعِ العالميّ المتحضِّر. وبذلك، نكون أمامَ “تَتريكٍ” آخر، ينبغي أن نخوضَ لرفضِهِ مواجهاتٍ جَسورةً، لأننا، كما كنّا، ولمّا نَزَل، طلّابَ حريّةٍ، وأصحابَ كرامة.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل