#dfp #adsense

ميقاتي في وضع لا يُحسد عليه

حجم الخط

عاد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من قمة المناخ في غلاسكو، محمَّلاً بجرعة صمود دولية، فرنسية بالدرجة الأولى، حضَّته على نزع فكرة الاستقالة في الوقت الراهن وإفساح المجال أمام الوساطات لمحاولة معالجة الأزمة مع دول الخليج، التي انفجرت مع هجوم وزير الإعلام جورج قرداحي على السعودية، والتضامن الخليجي مع المملكة وصولاً إلى سحب سفراء السعودية والكويت والإمارات والبحرين من لبنان وطلب مغادرة سفراء لبنان من هذه الدول.

لكن يبدو أن وزراء الحكومة ذاتها لا يسعفون ميقاتي في محاولاته الجادة لاستنقاذ الموقف ومحاولة ترميم العلاقة مع السعودية، واستطراداً مع سائر دول الخليج، ومنع تدهور الأمور إلى نقطة اللاعودة. إذ بعد سقطة قرداحي أتى الكلام الذي نُقل عن وزير الخارجية عبدالله بو حبيب وتضمَّن إساءات إلى السعودية، كما سُرِّب، على الرغم من نفي الوزير واعتباره أن ثمة تحويراً مقصوداً لكلامه، ليصعِّب مهمة ميقاتي ويعقِّدها أكثر. بالإضافة إلى استمرار هجوم حزب الله على السعودية بمساندة سائر أفرقاء المحور.

فهل يصمد ميقاتي ويبتكر تدويراً جديداً للزوايا أو حلاً “سحرياً” يستنقذ الموقف، وهو القائل، فور صدور مراسيم تشكيل الحكومة بأنه لا يملك عصا سحرية وأنه يطلب التعاون من الجميع لاستنهاض الوضع، أم يستقيل ويرمي الكرة في وجه من يمطر حكومته بالأزمات والعراقيل والشروط ومصادرة قرارها، فإما أن يكون ما يريد أو لا حكومة ولا جلسات لمجلس الوزراء، ولا استقالة لقرداحي أو غيره، وإلا فاستقالات شبه جماعية ولتذهب الحكومة برمتها؟

المحلل السياسي علي حمادة، يرى، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “ميقاتي استطاع أن يقتنص لقاءات، وإن مقتضبة، مع عدد من القادة في غلاسكو. وبالطبع اللقاء الأهم والأكثر اتصالاً بالأزمة اللبنانية كان مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبدرجة أقل مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الذي تمسك بمواقف هي عناوين عامة من دون الدخول إلى الأزمة الحالية مع دول الخليج”.

ويضيف، أن “بلينكن لم يتطرق إلى الأزمة مع الخليج وآثر البقاء بعيداً عنها وعلى هامشها، لأن الأميركيين أوكلوا الملف مؤقتاً للعناية الفرنسية، لكن من دون الانسحاب كلياً، كما تُظهر العقوبات التي أصدروها الأسبوع الماضي بحق شخصيات سياسية واقتصادية في لبنان”.

وإذ يلفت حمادة، إلى أن “لقاءات ميقاتي في غلاسكو، باستثناء اللقاءين مع ماكرون وبلينكن، كانت سريعة في أروقة قمة المناخ، ولم تقارب عملياً بشكل جدي المشكلة مع الخليج”، يشير إلى أن “رئيس الحكومة عاد إلى بيروت بنفَسِ يؤشر إلى أنه لا يريد الاستقالة”.

“لكن ميقاتي أدرك”، وفق ما ينقل حمادة عن مصادر مقرَّبة من رئيس الحكومة، أن “المشكلة كبيرة وتتعدَّى قضية قرداحي”، كاشفاً عن أن “أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني قال لميقاتي، ابدأوا باستقالة أو إقالة قرداحي لكي نستطيع أن نجد ثغرة نعبر منها مع الدول الخليجية ولا سيما السعودية، لفتح حوار وكوّة في هذا الجدار”.

ويوضح، أنه “لذلك أشار أمير قطر إلى أن وزير خارجيته سيزور لبنان قريباً، من دون أن يحدِّد الموعد، وهذا الأمر مشروط بإخراج قرداحي كمقدمة للبحث في النقاط العالقة والتي هي أهم منه. فالمشكلة اللبنانية مع دول الخليج كبيرة، وقرداحي هو قطرة الماء التي أفاضت الكأس”، مشيراً إلى أن “المشكلة هي مسؤولية الحكومات اللبنانية، ولا سيما هذه الحكومة، عن أفعال عدوانية عدائية تنطلق من الأراضي اللبنانية باتجاه دول الخليج وتهدِّد الأمن القومي لهذه الدول ولنسجيها الاجتماعي وعلى أكثر من صعيد”.

وإذ يعتبر حمادة، أن “كلام بو حبيب عن أن قصة حزب الله أكبر منّا ومن لبنان ونحن غير قادرين على حلّ هذه القضية، صحيح، فحزب الله أقوى من هذه الحكومة المستتبعة له”، لكنه يشدد على أن “هذا لا يُعفي الدولة اللبنانية والحكومة والسلطات الرسمية من تحمُّل مسؤولياتها تجاه حزب الله، والمجاهرة بموقف يقول له كفى هذه الأعمال العدوانية المنطلقة من الأراضي اللبنانية والتي تستبيح السيادة وسلطة الدولة وقرارها والشرعية اللبنانية، وتهدِّد علاقات لبنان مع الخارج باستمرار”.

ويضيف، “صحيح يمكن ألا يكترث حزب الله لموقف الدولة، لكن المطلوب موقف رسمي، كما كان حاصلاً في عهد الرئيس ميشال سليمان مثلاً”، مذكراً بأن “حزب الله كان (عامل العمايل) في عهد الأخير، فلماذا لم تقع مشكلة في العلاقات مع دول الخليج؟ لأن موقف سليمان، وموقف رئيس الحكومة الأسبق في عهده تمام سلام، كان حاسماً لجهة الفصل ما بين تمدُّد حزب الله والدولة، أقله في الموقف الرسمي”.

ولذلك، يقول حمادة، إن “حديث حزب الله ونظم القصائد عن الكرامات والاستقلال والسيادة وعدم الرضوخ، والذي لاقاه فيه النائب السابق سليمان فرنجية، لا يتناسب مع واقع الأمور”، لافتاً إلى أن “المسألة ليست في الرضوخ أو عدمه، بل في دولة وحكومة تريد أن تتحمَّل مسؤولياتها أم لا تريد؟”.

ويضيف، “إذا أرادت الدولة اللبنانية تحمُّل مسؤولياتها، هناك كلام آخر مختلف معها. أما إذا واصلت ممارسة سياسة النعامة ودفن الرؤوس في الرمال والتهرُّب من مسؤولياتها ونظم قصائد في الشعر والعموميات والكلام الذي لا معنى له، العلاقات ستزداد سوءاً والمقاطعة العربية ستتوسع على أكثر من صعيد”.

ويتابع، “المسألة لا تتعلق بالكرامات، بل بالأمن القومي لدول ذات سيادة في مواجهة عدوان موصوف ينطلق من الأراضي اللبنانية، والحكومة اللبنانية إما مسؤولة أو غير مسؤولة. وإن لم تكن الحكومة مسؤولة فماذا تفعل؟ ولماذا توجد الحكومات عندما تجاهر بأنها غير مسؤولة وغير معنية وغير قادرة؟” لافتاً إلى “القاعدة الجوهرية التي تقول إن الحكم يستدرج المسؤولية، بالتالي لا تستطيع الحكومة أن تقول أنا حكومة وأحكم من دون تحمُّل المسؤولية على مختلف الصعد”.

ولا ينفي حمادة “إمكانية وصول رئيس الحكومة إلى مرحلة يتخذ فيها قرار الاستقالة في حال استمرار تصلُّب حزب الله، على الرغم من أن ميقاتي متمسِّك بالبقاء، لكن الحكومة تفجَّرت وتشظَّت من الداخل. ونلاحظ أنه ما إن يصمت وزير عن الكلام غير المسؤول، حتى يطالعنا وزير آخر بكلام غير مسؤول أكثر فداحة، على غرار الكلام الأخير المنسوب إلى وزير الخارجية”.

ويشير، إلى أنه “بالإضافة إلى ذلك، هناك أزمة التحقيق في قضية المرفأ وتعطيل مجلس الوزراء على خلفية إصرار حزب الله على إزاحة المحقق العدلي في القضية طارق بيطار، واستباحة الحزب للقرار الحكومي وللقضاء وللشارع والتلويح بالسلاح والمسلحين، وكل ذلك بوجود حكومة تدَّعي هذه الصفة لنفسها”.

وبرأي حمادة، أنه “يمكن لميقاتي، عندما يرى أن الآفاق سُدَّت جميعها، أن ينسحب من المشهد الحكومي، حتى لو كانت هناك وعود فرنسية. لأن الفرنسيين غير قادرين حتى الآن على اختراق الموقف العربي، والأميركيون لا يتدخلون حالياً، بل إنهم أبلغوا رسائل تفيد بأنهم يتفهمون الموقف العربي لكنهم ضنينون بالاستقرار في لبنان”.

من هنا، “ميقاتي في وضع لا يُحسد عليه”، وفق حمادة، “لأنه غير قادر على أن يخطو خطوة إلى الأمام، كما لا يمكنه التراجع خطوة إلى الوراء. هو عالق في عنق الزجاجة وأمامه أزمة مستعصية مع العرب. أضف إلى ذلك هناك كرة نار بين يديه تتمثل بالتحقيق في قضية المرفأ، فضلاً عن وضع حكومي أصبح هشّاً للغاية. وكل ذلك يمكن أن يدفعه إلى الرحيل”.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية​ 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانبة

خبر عاجل