![]()
كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1722
وصلت بعض الأوساط السياسية إلى قناعة بأن الانتخابات النيابية مستبعدة ما لم يُصر إلى إستبعاد «القوات اللبنانية» عنها، لأنه لا يمكن السماح بتحوّلها إلى القوة الأكثر تمثيلاً مسيحيًا عشية الانتخابات الرئاسية، ولا تحوّلها إلى الكتلة البرلمانية الأولى، ولا إسقاطها للأكثرية النيابية الحالية. إنطلاقا من ذلك وضع المحور الذي يتوجّس من «القوات» ويصوِّب عليها المعادلة الآتية: لا انتخابات في وجود “القوات”، وهذه المعادلة تعني إما محاولة التخلُّص من “القوات” وإما إضعافها شعبيًا عن طريق محاولة تشويه صورتها وإما تطيير الانتخابات!!
في هذا السياق بالذات تداولت الأوساط نفسها بمعلومات مفادها أن ما حصل في عين الرمانة كان مدبرًا، مستندة إلى السيناريو التالي:
أولا، وجد المحور المتوجِّس من «القوات» أن البيئة المسيحية إستعادت عنفوانها الميداني وليس اللفظي الملاصق لها دومًا، وهذا ما يعتبره من الخطوط الحمر، وقد تظهّر له ذلك في واقعتي نهر الكلب عندما رفض الأهالي الإستفزاز المتعمّد للنظام السوري لهم، وانهالوا على المستفزين بالضرب، والجميزة عندما استهدف مركز «القوات» عمدًا، فكانت أيضًا ردة الفعل المعروفة، وبالتالي رأى في هاتين الواقعتين تبدلاً في ردّ الفعل المسيحي الذي انتقل إلى إستخدام القوة دفاعًا عن النفس.
وانطلاقا من هذا المعطى بالذات بدأ الإعداد لواقعة ثالثة تعيد المسيحيين إلى ما قبل واقعة نهر الكلب، ولم يجد المحور المتوجِّس من «القوات» أفضل من عين الرمانة ليحقِّق أهدافه بالجملة، خصوصًا أن جغرافية العدلية ملاصقة لعين الرمانة، والتظاهرة إلى العدلية مبررة ربطاً بمواجهته المفتوحة مع المحقِّق العدلي في انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، وعنوان الإنفجار تحوّل إلى مسيحي على رغم أنه وطني بامتياز، فوجد أن الوقت أكثر من مناسب لتحقيق ثلاثة أهداف دفعة واحدة:
الهدف الأول معلوم وهو إسقاط القاضي البيطار عن طريق إستخدام القوة، ومع تعذّر تحقيق هذا الهدف بالوسائل القضائية والسياسية أراد تحقيقه على أرض الواقع، والمكان الأنسب هو عين الرمانة بالقرب من العدلية ومنطقة مسيحية بهوية قواتية.
الهدف الثاني إفهام البيئة المسيحية التي أطلت برأسها من نهر الكلب والجميزة، إفهامها من «قلعة الصمود» بالذات أن ردة الفعل العنفية، ولو في حالة الدفاع عن النفس، غير مسموحة ولا مستحبة كونها تعيد التعبئة المسيحية إلى ما كانت عليه عشية الحرب وفي زمنها، وبالتالي المطلوب كسر الهيبة المسيحية والعنفوان المسيحي من عين الرمانة بالذات، خصوصًا أن هذا العنفوان المسيحي ليس طائفيًا ولا مذهبيًا، إنما هو عنفوان سيادي لبناني بامتياز، وخطورته أنه يشكل عدوى للبيئات الأخرى، وتمدده سريع جدًا.
الهدف الثالث توجيه ضربة إلى «القوات اللبنانية» من أجل الإطباق عليها بالحد الأقصى، وشلّها وتعطيلها بالحد الأدنى، وما بينهما تشويه صورتها وطنيًا ومسيحيًا، وضرب «القوات» يشكل بحد ذاته درسًا للجميع على غرار ما حصل في تسعينات القرن الماضي، وبما أن الرهان السياسي على تحسُّن صورة الفريق العوني على حساب القواتي أصبح متعذرًا، وبما أن «القوات» تواصل تمددها ومراكمة صدقيتها، وبما أن مواجهتها سياسيًا تقويها ولا تضعفها، وبما أن نجاحها في الانتخابات يشكل خطرًا على المشروع الممانع، لا بدّ من وضع حد لانتشارها ودورها من خلال مواجهتها بالعنف.
وهذا ما يفسِّر بشكل دقيق ما حصل في عين الرمانة الذي لم يكن وليد الساعة ولا الصدفة، إنما نتيجة تخطيط وتهيئة وتحضير، وبعد أن اكتمل السيناريو المعدّ سلفاً إنتقل المحور المتوجِّس من «القوات» إلى التنفيذ سعيًا لتحقيق ثلاثة أهداف بضربة واحدة: تطيير البيطار، إخضاع المسيحيين، ومحاولة تركيب ملف لـ»القوات» بالحد الأقصى، وتشويه صورتها بالحد الأدنى على طريقة البروباغندا العونية في أواخر ثمانينات القرن الماضي، ولكن ما لم يكن في حسبان هذا المحور أن يُسقط أهالي عين الرمانة مخططه المثلّث، فلا البيطار سقط أو خاف وتنحّى، ولا المسيحيين أخضعوا، ولم ينجح في تصوير نفسه في موقع المعتدى عليه و»القوات» في موقع المعتدي بسبب دعوته للتظاهرة وعدم تنظيمها عمدًا والظهور المهيأ لمئات المسلحين بالسلاح المتوسط والخفيف.
وقد اعتقد أن بإمكانه تركيب ملف لـ»القوات» على غرار ملفات تسعينات القرن الماضي، ولكنه إصطدم بثلاثة حواجز حديدية ثقيلة:
الحاجز الأول يكمن في الوقائع الميدانية التي لا يمكنه القفز فوقها، وهي وقائع مثبتة بالصورة والصوت والوجوه والأسماء، فضلاً عن كونها فاضحة إلى درجة تسقط معها محاولة أي قاضٍ يسعى إلى التركيب والتزوير والتأليف، فيذهب فورًا إلى مزبلة التاريخ، لأنه عدا عن تعذر تركيب ملف فارغ ومكشوف، فإن كل الوقائع والحقائق تدين الفريق الآخر.
الحاجز الثاني شعبي بامتياز مع ردة الفعل الشعبية العابرة للطوائف والرافضة، أي محاولة لتزوير الوقائع بتحويل المعتدي الى ضحية، والمعتدى عليه إلى جلاد، وقد شكلت بيئة حاضنة للعدالة، وأظهرت أن حاجز الخوف سقط منذ أمد بعيد، خصوصًا أن الناس، وبمعزل عن حادثة عين الرمانة، تعلم جيدًا سبب الأزمة في لبنان والمتمثِّل برفض «حزب الله» تسليم سلاحه للدولة، وخروجه على اللبنانيين مهددًا في كل مرة لا يُستجاب سياسيًا لمطالبه خلافاً للدستور والقوانين، كما تعلم الناس جيدًا أن الهدف من ضرب «القوات» ضرب الحياة السياسية في لبنان وتدجين الجميع عن طريق ضرب الطرف الأقوى.
الحاجز الثالث سياسي وشكل مفاجأة كبرى لـ»حزب الله» الذي كان يتوقّع إستفراد «القوات اللبنانية» بسبب الخلافات والتباينات داخل الخط السيادي، ولكنه تفاجأ أن القوى والشخصيات المتباينة تخطّت خلافاتها في لخطة اعتبرتها وجودية، وأن الخطر لن يتوقف عند أبواب معراب، إنما سيطرق كل الأبواب الأخرى بعدها، ولذلك توحّدت في موقف واحد من دون أن يؤسس ذلك، حتى الآن، إلى وحدة صف.
وفي سياق الحاجز السياسي نفسه شكلت مواقف البطريرك الماروني بشارة الراعي والمطران الياس عودة مزيدًا من تحصين موقف الأهالي في ظل رفضهما القاطع أن «يتحول من دافع عن كرامته وأمن بيئته لقمة سائغة ومكسر عصا»، كما رفضهما «إتهام المدافعين عن أنفسهم بأنهم المعتدون والقتلة».
وحيال كل ما تقدّم فإن السؤال الأساس الذي يطرح نفسه يكمن في الآتي: ماذا بعد فشل سيناريو تركيب ملف فارغ على «القوات اللبنانية»، واستطرادًا ماذا بعد الفشل في تشويه صورة «القوات»، خصوصًا أن إنكشاف «الفيلم» الذي تمّ إعداده على غرار فيلم سيدة النجاة أدى إلى مزيد من إرتفاع منسوب شعبية «القوات»؟
ومن الواضح أنه لم يبق أمام هذا الفريق سوى خلق الحجج والوقائع لتطيير الانتخابات، لأن أي انتخابات في ظل المعطيات الراهنة ستؤدي إلى نتيجة حاسمة لمصلحة «القوات». ولكن هل تطيير الانتخابات بهذه السهولة؟ وماذا عن الموقف الدولي الذي يتمسك في موعد الانتخابات؟ وماذا عن ردة فعل الناس؟ وماذا لو تحوّل ضرب الإستقرار إلى هدف لتطيير الانتخابات؟ وماذا عن التطّور الخليجي وكيف يمكن أن تتطور فصوله، وما مصير الحكومة والانتخابات في حال دخل لبنان في عزلة خليجية؟
شار جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]