
لم يعد من شك ان الازمة المستحكمة بين لبنان والمملكة العربية السعودية ودول الخليج لم تكن الا تتويجا لمرحلة من الاحداث والمواقف سواء على مستوى لبنان الرسمي او على مستوى حزب الله. ففي العام 1989، استضافت السعودية اتفاق الطائف الذي أدى الى انهاء الحرب الاهلية والاقتتال المسيحي المسيحي. وعند كل عدوان إسرائيلي على لبنان كانت الرياض على الدوام تهب لمساعدة لبنان والشعب اللبناني لاعادة اعماره وتعزيز قوة ليرته الشرائية.
وفضلاً عن الكم الكبير من اللبنانيين المقيمين في السعودية كانت الرياض في كل مرة تفاجَأ بالاهانات والتهجمات التي تتعرض لها من حزب الله والتي لم تكن الدولة اللبنانية تحرك ساكنا لايقافها، وقد بلغ امر الحزب حد مساعدة أعداء الرياض كما في اليمن انفاذاً لاجندة ايران. كما كانت عمليات تهريب المخدرات الى المملكة قائمة على قدم وساق بالإضافة الى تدريب وتسليح الحوثيين في اليمن في حربهم ضد المملكة والتحالف العربي.
وصلت الأمور العام 2016 حد خروج لبنان عن الاجماع العربي في رفض ادانة النظام الإيراني غداة حادثة احراق السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد. ومع مؤتمر المانحين العام 2018 كانت الرياض سخية في منحها لبنان مليار دولار، لكن التواطؤ والتآمر استمرا على المملكة من قبل الدولة اللبنانية المتحالفة مع حزب الله.
واليوم، وازاء اندلاع ازمة العلاقات الثنائية، بدا أن هناك تدعيماً للعداء ضد المملكة، عبر مسؤول إيراني مقرب من مكتب المرشد علي خامنئي، الذي أعلن ان السعودية خاسرة امام ايران دبلوماسيا، بما يعتبر دخولا إيرانيا مباشرا على خط الازمة بين لبنان والمملكة وصبا للزيت على النار، لا سيما ان طهران تعتبر بلسان مسؤوليها أن الرياض اذا كانت قادرة على عزل لبنان فانها لن تستطيع عزل حزب الله.
إذاً، الازمة التي شكل تصريح وزير الإعلام جورج قرداحي صاعقا لتفجيرها لم تكن وليدة ساعتها بل نتيجة تراكمات سنوات من العداء المعلن من فريق من اللبنانيين (حزب الله وحلفاؤه) ضد المملكة في اطار الصراع الإقليمي القائم. وبالتالي، وبعدما نجح لبنان الى حد ما في النأي بنفسه عن الحرب في سوريا على الرغم من تورط الحزب فيها، اذا به اليوم يصبح في عمق الازمة وينقل الى داخله الصراع الإقليمي بين ايران والخليج وعلى رأسه المملكة. وهنا تكمن الخطورة التي تتهدد مصير السلم الأهلي وعلاقات لبنان العربية والاحتضان الخليجي له.
من هنا تطرح المعادلة الصعبة: هل بإمكان حزب الله وايران من خلفه فك الترابط بين الازمة الإقليمية والداخل اللبناني؟ طبعا الجواب سلبي، لان ايران المأزومة إقليميا ودوليا (تعثر مفاوضات فيينا ـ الاتفاق الروسي ـ الإسرائيلي على ضرب الوجود الإيراني والميليشياوي في سوريا والاتفاق الأميركي الإسرائيلي الأخير على إمكانية اللجوء للقوة ضد ايران وحزب الله وادواتها الأخرى في المنطقة وخسارة طهران الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق الخ…) تجد نفسها امام حاجة ملحة للامساك اكثر وبقبضة حديدية اكبر بالورقة اللبنانية للتفاوض، لا سيما ان في لبنان اقوى ميليشياتها في المنطقة وأكثرها تنظيما وتسليحا وسيطرة على كافة مفاصل الدولة اللبنانية وقرار الحرب والسلم فيه، مستفيدة من تواطؤ مفضوح ومكشوف بين الحزب والعهد والتيار الوطني الحر، اقله الى الآن.
وجاءت حادثة بحر عمان أخيراً بين البحريتين الإيرانية والأميركية الأخيرة، وقبلها الهجوم على قواعد الجيش الأميركي في التنف لتؤكد تصاعد حدة التوترات والتحديات في المنطقة واتجاه اللاعبين الإقليميين والدوليين المتصارعين الى مبارزة شاملة، بدء من لبنان بالتزامن مع تدريبات عسكرية أميركية إسرائيلية عالية المستوى العملاني والحربي في منطقة النقب وشواطئ إيلات في إطار الاستعدادات لمحاكات مواجهة محتملة مع إيران وحزب الله.
من هذه المنطلقات، بات لبنان اسير اجندة ايران وصراعها الإقليمي والدولي، وتحول ساحة جديدة ملتهبة للصراع الإقليمي وتبادل الرسائل الساخنة في وقت اكثر من ثلثي الشعب اللبناني ضد معاداة العرب والسعودية ودول الخليج، وهو مختطف من حزب الله والدولة المرتهنة له والمتحالفة معه.
قد يكون آن الأوان ليطرح اللبنانيون على انفسهم وعلى حزب الله السؤال الكبير حول المصير، وقد يكون آن الأوان أيضا ليدرك حزب الله وحلفاؤه انه ليس لبنان لوحده وهذا البلد لم يعد قادرا على تحمل صراعاته الإقليمية وتبعيته للاجندة الإيرانية، وان الخيار اللبناني الاكثري هو بالاستمرار في الحضن العربي ورفض استجراره الى معاداة هذا الحضن والخروج من عروبته.
ما يقوم به الحزب وتصرفاته التصعيدية بحق السعودية ودول الخليج والعالم العربي عامة بلغ حد ارتداده المدمر على لبنان ومستقبله ومصالحه الحيوية. لا نريد الوصول الى نقطة اللاعودة والقطيعة مع الحزب وجمهوره، لكن بالمقابل على الحزب وبيئته ان يفهموا ان الاستمرار في التصعيد ضد الدول العربية سيقابل بمقاومة لبنانية كبيرة عارمة ومانعة لتحقيق الغاية الإيرانية بعزل لبنان عن محيطه العربي وانتزاعه من البوتقة العربية لرميه في أحضان ايران واتباعها. فلبنان لم يكن يوما ولن يكون إيرانيا او محافظة إيرانية مهما حاول حزب الله الضغط بهذا الاتجاه كما ان لبنان لم ولن يكون مطية او قاعدة انطلاق عداء للعرب والمملكة والخليج.
ان لم يكن باستطاعة الحزب وجمهوره استيعاب هذه الحقيقة، فتلك مشكلة كبيرة لا بل معضلة كبيرة لن تحل حينها الا بالاتفاق على الفصل بين دويلة الحزب وايران من جهة وبين باقي لبنان السيد الحر والمستقل من جهة أخرى.
لا نريد الوصول الى هذه الخلاصة المخيفة لأننا دعاة بناء دولة قوية وجامعة وحافظة لكافة مكونات المجتمع اللبناني في سلم اهلي وحياة حرة وكريمة، لكن الخلاف في الأساسيات سيجر حتما الى الانفصال لا سيما انه لم يعد بمقدور الحزب وايران من خلفه الاستمرار في تدمير منهجي للبنان نظاما وكيانا وهوية وقد بلغ الانهيار حدا بات يهدد الدولة بالانفراط.
نحن كمسيحيين لطالما ناضلنا عبر التاريخ لقيام الدولة، لان لا حياة لاي مكون خارج الدولة الواحدة الموحدة التي يجد فيها كل فريق لبناني امانه وضمانة وجوده، فلطالما كان مشروعنا مشروع الدولة وقيامها وبناءها، ورفضنا بالماضي ونرفض اليوم اية صيغ انفصالية او تقسيمية، لكن وكما قال البطريرك الكبير الراحل مار نصرالله بطرس صفير اذا خيرنا بين العيش المشترك والحرية لاخترنا الحرية. فعسى حزب الله لا يوصلنا الى هذا الخيار الصعب ان استمر على مواقفه المتصلبة والتصعيدية خصوصاً في هذه المرحلة الدقيقة والخطيرة والمصيرية من حياة لبنان ومصير المنطقة.
وان كانت الكرامة بالنسبة للحزب وجمهوره تمر بفصل لبنان عن محيطه وتغيير وجهه ودوره التاريخي الريادي في المنطقة لقوقعته في منظومة محور مواجهة للعرب وتهديم لثوابت قيامه، فان الكرامة بالنسبة الينا ان لا نخضع ولا نتبع ولا نشارك ولا نتواطأ على ما يؤذي ويضر بمصالح لبنان الحيوية وفي الأولوية مصالحه مع الاشقاء العرب والقبول بالأسر والاختطاف الإيراني للبلاد والعباد.
حزب الله ادخل لبنان في خضم الصراع الإقليمي والدولي من الباب العريض، فعساه يعيد حساباته ويتوقف عن تدمير ما تبقى للبنان من مبررات وجود قبل فوات الأوان.
