وقائع عن جبران باسيل “العِقاب”

هل تساءل المسيحيون اليوم، ماذا لو لم يسيروا خلف “الحالة العونيّة”؟ هل تساءلوا عن المصير المختلف الذي كانوا سَيَلِجونَه لو لم يمنحوا كلّ آمالهم وأحلامهم وطموحاتهم وأموالهم وثقتهم على قارعة منقذ بعبدا والرابية وميرنا الشالوحي؟

أسئلة، لم تعد الاجابات عنها بحاجة لا إلى وقت ولا إلى تحليل.

يُحسب للتيار الوطني الحر جيّداً، قدرته على اللعب بشكل احترافيّ على الوتر المسيحي وتقليبه من اليمين إلى اليسار ومن الدولة إلى الدويلة، تحت عناوين تبدأ بالوجود الوطني وتنتهي على أبواب الوجود الطائفي. فمنذ أواخر الثمانينات حتّى يومنا هذا، سقطت معظم المبادىء والشّعارات والثّوابت التي تربّع “التيّار” على عرش المناداة بها.

سار المسيحيون خلف “التيّار” لأنّه حمل لواء الدولة وتوحيد البندقية ونبذ السلاح الخارج عن إطار الشّرعية، لينقلب منذ العام ٢٠٠٦ على ذلك ويتحوّل إلى رافعة شعبيّة للسّلاح غير الشرعي مستخدماً الغطاء المسيحي وثقة الأغلبية الساحقة من المجتمع المسيحي لتنفيذ صفقة تبادل تُرجمت بشكل شامل مع بدء عهد عون، قوامها “السلطة مقابل السلاح”.

الثّقة المسيحيّة التي حاول “التيار” التّحايل عليها عشيّة توقيع ورقة التفاهم عبر القول أنّ الأخيرة هي صك وطني لحماية “الوجود”، سقطت مراراً وتكراراً من التقويض المستمرّ للدولة واستهداف المؤسسة العسكرية والاعتداء على أراضي الكنيسة وتهديد القضاء وصولاً إلى غزوة منطقة عين الرمانة.

الصّفعة الأكبر التي وجّهها “التيّار” للمسيحيين هي في إسقاط أكبر معركة أخذها على عاتقه وهي محاربة الفساد، بحيثُ بادلها بأثمان سلطويّة وممارسات أبعد ما تكون عن القانون، كشفت أنّه في الفعل يُناقض القول وأنّ ما وعد به المسيحيين واللبنانيين عامّةً واستطاع أخذ ثقتهم على أساسها، ليس سوى حيلة ترويجيّة لولوج السلطة.

يُقال أنّ التيار الوطني الحر قد اتّخذ خيارات غير مريحة شعبياً بهدف الدّفاع عن المصلحة الوطنيّة، بيد أنّ الوقائع تُشير إلى أنّه بادل المصالحة المسيحيّة وانقلب على الثورة السياديّة واستبدل النّضالات الوطنيّة بجملة من التسويات التّنفيعيّة والتحالفات الهجينة، حيث أنّ الخيارات التي تبنّاها كانت لإراحته شخصياً، دون أدنى اعتبار حتّى لوضعيّة جمهوره.

التّغيير الذي ادّعاه “التيّار” من الداخل كان اتّجاهاً سحيقاً نحو الأسوأ حيثُ حصر “الحضور المسيحي في الدولة” في تعيينات زبائنيّة وتنفيعات خاصّة، أظهرت أنّ المسيحيين بالنّسبة له هم فقط مجموعة صغيرة من الحاشية اللّصيقة به.

الحرص على الخطاب الهادىء والمتّزن والجامع، تعرّض لنكسات متكرّرة في حقبة “التيّار” داخل السلطة والتي قد تكون شارفت على النّهاية، وتكاد تكون أبرزها جولات الاستفزاز المناطقيّة والخطابات التّحريضيّة التي فاخر بها وريث عون عشيّة كلّ إنتخابات وكلّ تقاسم للحصص الوزارية والادارية. الأنكى من ذلك، أنّ تبرير أحقيّة هذا العداء الكلامي الذي فرضه “التيار” كنمط سياسي، يسقط مع إنقلابه على وصف الرئيس بري بالبلطجي ليسارع ويصفه بالرئيس القوي، ويتخلّى عن وصف تيار “المستقبل” بالداعشي ليُغازله رامياً كتاب “الابراء المستحيل” في جارور مقفل ليُستخدم بعد فكّ التّحالف.

“الأسر الزمني” الذي وقع به المسيحيون في لبنان، قد يتحوّل إلى أسر أبدي، ما لم يعرفوا كيف ينفضوا عنهم هذا الرّداء، دون الاكتفاء بمناظرات كلاميّة وشعبويّة.

مسيرة باسيل وما يُمثّل، لا تعترف لا بالمبادىء ولا بالتّواقيع ولا بالمحرّمات ولا بالنّضالات، وتأخذ النّكران والتّحريض الطائفي ونبش القبور والفبركات وسيلةً، وتصل حدّ استبدال هيبة الدولة برضى الدويلة لحسابات رئاسيّة تُطيح بعلاقات لبنان وبمصالح اللبنانيين.

فهل ينتفض المجتمع المسيحي بوجه مَن وضع التّنين في بئرهم ويُوالي مَن يحمل نبض القديس جرجس الشهيد، المعروف بشفيع الدولة، ليطعن التّنين ويُحرّرهم منه بعد أن جُيّرت له أصواتهم إثر تفاهم إذعان؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل