
لا يبدو أن كل المحاولات المبذولة لوقف تدهور العلاقات اللبنانية السعودية والخليجية عموماً ومحاولة تجاوز الأزمة الأخيرة، ستجد طريقها إلى الحلول المنشودة، أقله في المدى المنظور. بل الأرجح أن المشكلة إلى مزيد من التدهور والتصعيد، في ظل استرهان حزب الله للدولة اللبنانية لمصلحة تثبيت النفوذ الإيراني في المنطقة. في حين يبدو في المقابل أن السعودية لن تتراجع عن مواجهة التهديد المباشر لأمنها القومي الذي تتعرَّض له، والذي يشكل حزب الله أحد أبرز عناصره، غير آبه بتبعات ذلك وأثمانه الباهظة على لبنان ومصالح اللبنانيين في سبيل المصلحة الإيرانية.
المحلل السياسي علي الأمين، يرى، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “العنوان الأساسي بالنسبة لإيران لهذه المرحلة هو إعلانها عن انخراطها في المفاوضات حول الملف النووي، المرتقب استئنافها أواخر الشهر الحالي في فيينا”، مشيراً إلى أن “إيران تعود إلى طاولة المفاوضات بعدما تنازلت عن كل شروطها المسبقة المتعلقة برفع العقوبات عنها وفك الحجز على أموالها المجمَّدة، إذ إنه عادةً ما تُحدث إيران، حينما تريد القيام بخطوة تراجعية ضوضاء، وتخلق جوّاً من الاستعراض لتغطية تراجعها”.
ويضيف، “هذا رأيناه في مسرحية الباخرة الفيتنامية في 24 الشهر الماضي في المياه الدولية في بحر عُمان، وكذلك في التصعيد الذي يمارسه حزب الله في لبنان، بالإضافة إلى ما يحصل في العراق”. وإذ يعتبر، أن “التوافق الأميركي الإيراني في العراق قائم ومستمر، يشير إلى أن “النقطة المستجدة هي أن المواجهات يمكن تحميلها نوعاً من توجيه رسائل إلى السعودية، التي يُعتقد أنها استطاعت إلى حدٍّ ما أن تنخرط أكثر فأكثر بدور ما داخل العراق على مستوى تطور العلاقات بين البلدين”.
ويشدد الأمين، على أن “ما يحصل في العراق هو رسالة إيرانية إلى السعودية، تتحاشى توجيه أي رسالة سلبية إلى الأميركيين. والاستنفار الإيراني هو في مواجهة الدور السعودي أكثر مما هو رسائل باتجاه واشنطن أو تل أبيب، أو أي جهة أخرى”.
ويلفت، إلى أنه “لم يعد هناك في المنطقة العربية تقريباً غير المملكة التي تشكل عائقاً أمام إعادة تقاسم النفوذ في المنطقة بين الأطراف الدولية والإقليمية، وأمام ترسيخ وتشريع النفوذ الإيراني في المنطقة. لذلك تتجه السياسة الإيرانية نحو مزيد من التفاهم مع الأميركيين بالحدِّ المطلوب، ومواجهة السعودية بشكل صريح وعلني إلى حدٍّ كبير”.
في المقابل، يشير الأمين إلى أن “السعودية تدرك أساساً أن المخاطر التي تحيط بها، خصوصاً من الدور الإيراني في المنطقة، يفرض عليها مواجهة أوسع وشاملة لا تتعلق فقط بالبعد السعودي المباشر، لأن الأمن القومي السعودي، أو الخليجي، لم يعد ممكناً حمايته وترسيخه بمعزل عن الدائرة العربية”.
ويضيف، “نحن نتلمَّس وكأن هناك إعادة جدولة أولويات السياسة الخليجية والسعودية على قاعدة تشكيل الدائرة العربية، ومحاولة استعادة مفهوم الأمن القومي العربي في لحظة تقاسم النفوذ بين الدول الكبرى والإقليمية، سواء كانت تركيا أو إيران أو روسيا أو إسرائيل أو الولايات المتحدة أو غيرها. فالسعودية تجد نفسها اليوم أمام واقع حقيقي وملموس أن الأمن السعودي هو من الأمن العربي، ولا يمكن أن يكون هناك أمن سعودي راسخ من دون أمن عربي قائم وراسخ أيضاً. ولذلك هناك تطور في هذا المجال”.
ويلفت، إلى أنه “على ضوء هذا المعطى وانعكاسه على الواقع اللبناني، نلحظ نوعاً من التصعيد المتبادل، الإيراني ببعده الإقليمي من جهة، وأيضاً السعودي الذي ربط الأزمة مع لبنان بالأمن القومي السعودي. فالسعودية لم تتحدث عن مطالب بالمعنى الضيق بإقالة أو استقالة وزير أو ما شابه، بل تحدَّثت عن ألا يكون لبنان منطلقاً لتهديد الأمن الخليجي والأمن السعودي، ووضعت الملف اللبناني بمستوى تهديد الأمن الخليجي. بالتالي يجب التعامل انطلاقاً من هذه الزاوية، والإجراءات ستكون موازية لهذا التهديد”.
“وفي ظل عدم التجاوب الذي نشهده”، يرى الأمين، أننا “نتجه في لبنان إلى مزيد من التصعيد على خلفية المواجهة ببعدها الإقليمي، والتي ترتِّب داخلياً أن حزب الله الممسك بالسلطة وبقواعد اللعبة في السياسة الخارجية، سيكون أكثر تشدداً كما نلاحظ من تصريحات مسؤوليه، وآخرها لنائب الأمين العام نعيم قاسم الذي كرَّر مرتين أن على السعودية تقديم اعتذار. بالتالي هذا مؤشر على أن الأمور ذاهبة إلى مزيد من التصعيد”.
ويلفت الأمين، إلى أن “أولوية إيران وحزب الله هي مواجهة السعودية. وطهران تحاول تثبيت وشرعنة وجودها في المنطقة من خلال تفاهمات مع الأميركيين، والذي يعرقل هذه التفاهمات هو الموقف السعودي. فالإيراني يمكن أن يتفاهم مع الروسي أو الإسرائيلي أو الأميركي على مساحة من النفوذ ودور ما في المنطقة، والذي يزعج النفوذ الإيراني اليوم هو الدور السعودي”.
ويضيف، “أولويات حزب الله ليست محلية بل إقليمية، بدليل أن كل السياسات والقرارات المطلوبة المعروفة لاستنقاذ الوضع اللبناني، والمتعلقة بالإصلاحات وإعادة ضبط العملية السياسية والاقتصادية، والالتفات إلى مصالح لبنان الحيوية المرتبطة بعلاقاته العربية والدولية ومحاولة جذب مساعدات واستثمارات لوقف الانهيار، لا تُتَّخذ أي خطوة جدية في هذا الاتجاه، لأن كل هذه ترتِّب نتائج سياسية لا يريدها حزب الله، أي لا يريد أن يقيم شروط الدولة بحدودها المعقولة، لأن نظام الأولويات لديه قائم على حسابات إقليمية لا علاقة للبنان ولمصالح اللبنانيين بها”.
“لكن كل ذلك، لا يُخفي أن حزب الله في مأزق”، يقول الأمين، مضيفاً أن “كل الخيارات صعبة أمامه وهو يعاني. ولذلك رفع أخيراً أمينه العام حسن نصرالله شعار الـ100 ألف مقاتل، إذ لم يبقَ عنده ما يطرحه. أي أن أدوات السياسة والجذب ومخاطبة الآخرين بلغة المصالح والإغراء لم تعد تنطلي ولا تؤتي بأي نتيجة وفقدت مصداقيتها، فلم يبقَ سوى أن يخرج ويقول لديّ عصا، لا اقتصاد ولا مشروع دولة ولا أي شيء آخر”.
ويؤكد الأمين، أن “إرادة اللبنانيين تتطور وتتبلور أكثر في الفترة الأخيرة باتجاه الدفاع عن البلد، ولا شك أن هناك تحوُّلاً في الوعي اللبناني تجاه ما يجري، والناس لن يذهبوا بإرادتهم إلى جهنم كما قيل لهم بل سيقاومون ويواجهون لتغيير هذا الواقع”، مشدداً على أن “الانتخابات المقبلة معركة مهمة وأساسية، وإن استطاعت المنظومة الحاكمة إلغاءها لن تتأخَّر، لكنها ليست المعركة الوحيدة لأن التحديات المطروحة تتجاوزها. بمعنى أن البلد خاضع لنوع من مصادرة واحتلال يتجاوزان الانتخابات”، مؤكداً على “وجوب أن تتوحد جهود قوى الاعتراض المختلفة وتركيزها من ضمن مشروع سياسي متكامل لإنقاذه”.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
