انتخاب خيار سياسي لا اقتراع مرشحين

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1722

انتخاب خيار سياسي لا اقتراع مرشحين

صفير: أي لبنان سيكون بعد الإنتخاب؟

يعتبر الخبير القانوني الدكتور أنطوان صفير أن رقم 150 مليون ليرة كسقف للإنفاق الإنتخابي أصبح خارج المنطق بعد انهيار العملة اللبنانية وبعد الزيادات الفاحشة في الخدمات وفي أسعار السلع وغيرها. وشدد في حديث لـ»المسيرة» على وجوب أن يُتخَذ قرار بتعديل هذا السقف، علمًا أن الأمر لا يحتاج إلى تعديلٍ قانوني إنما يتم بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء. ورأى أن تأثير التمويل الإنتخابي سيكون كبيرًا في الإنتخابات النيابية المقبلة، لكن كرامة الناخب كبيرة أيضًا، وهناك شريحة كبيرة من الناس لا تُشرى ولا تباع ولا تدخل في سياق سوق النخاسة. وحذّر من أن انتخابًا خاطئًا ولا معنى له يمكن أن تكون له تداعيات خطيرة على مستقبل أبنائنا خصوصًا في الظروف الحرجة التي نمر بها. وقال هذه الإنتخابات هي الفرصة الحقيقية لبداية تصويب الأمور لذلك الناس كمواطنين مدعوون إلى أن ينتخبوا وألا يكونوا مقترعين بل ينتخبوا خيارًا سياسيًا واضحًا لكتل قادرة على تغيير الواقع السياسي. وفي ما يلي نص الحديث:

يلعب تمويل الإنتخابات دورًا كبيرًا في إدارة العملية الإنتخابية وتحديد مسارها. كيف تتوقع أن يكون هذا التأثير في الإنتخابات النيابية المقبلة؟

التمويل في قانون الإنتخابات شيء أساسي باعتبار أن الإحتياجات لدى المواطنين باتت كثيرة مما يفسح في المجال لاستعمال المال لغايات إنتخابية في شكل واسع أكثر سهولة وأكثر قدرة لدى المتمولين في حملاتهم الإنتخابية، والدخول إلى القرى والبلدات في شكل أسهل عبر الدعم المدرسي أو الدعم الإستشفائي أو الإجتماعي. وكل ذلك يقع ضمن التسويق الإنتخابي وتمويل الإنتخابات، إذا جاز التعبير. لكن طبعًا غير ما يحدده القانون من سقف وآلية، لأن مسألة التمويل أساسية في شفافية الإنتخابات. وبالتالي نكون أمام عملية تمويل إنتخابي وتغيير في إرادة الناخبين حتى لو كان ذلك بإرادتهم لأن إرادتهم هنا يجب أن تكون حرة في اختيار من يمثلهم أو من يرونه مناسبًا لتمثيلهم في الندوة البرلمانية من خلال الوكالة التي تعطى للنائب لمدة أربع سنوات. هذا الموضوع دقيق وتأثير التمويل هنا سيكون كبيرًا لكن كرامة الناخب كبيرة أيضا، وهناك شريحة واسعة من الناس لا تُشرى ولا تباع ولا تدخل في سياق سوق النخاسة لا من خلال التمويل الإنتخابي ولا من خلال الدعم المدرسي أو سواه، لأن الموضوع يتعلق بمستقبل لبنان وبكرامة لبنان وبمفترق استراتيجي خطير يمر فيه البلد. ولذلك يجب أن نكون على مستوى هذا الإستحقاق، وبالتالي حفنة من الدولارات أو من الليرة اللبنانية ربما تعطي عائلة نَفَسًا لمدة ثلاثة أيام أو أسبوع لكن انتخابًا خاطئًا ولا معنى له يمكن أن تكون له تداعيات خطيرة على مستقبل أبنائنا خصوصًا في الظروف الحرجة التي نمر بها.

هل ترى ضرورة لتعديل بنود تحديد سقف الإنفاق الإنتخابي للمرشح نظرا للتّبدّل الكبير في قيمة العملة الوطنية بين الإنتخابات الأخيرة وتلك المنتظرة في آذار المقبل؟

قانون الإنتخاب حدَّد سقف التمويل أو سقف الإنفاق الإنتخابي بشكل واضح،وهو 150 مليون ليرة لبنانية يضاف إليها قسم متحرك يتعلق بعدد الناخبين في الدائرة الإنتخابية. أي يتحرك وفق عدد الناخبين المسجلين بين دائرة وأخرى وقدره 5 آلاف ليرة عن كل ناخب. طبعًا هذا الرقم أصبح خارج المنطق بعد انهيار العملة اللبنانية وبعد الزيادات الفاحشة في الخدمات وفي أسعار السلع وغيرها. ويجب أن يتخذ قرار بتعديل هذا السقف، علمًا بأن الأمر لا يحتاج إلى تعديلٍ قانوني إنما يتم بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الداخلية وبعد استطلاع رأي هيئة الإشراف على الإنتخابات، لأن الموضوع يتعلق بالظروف الإقتصادية. وبالتالي فمبلغ 150 مليون ليرة، لا يشكل رقمًا يعطي أي قدرة للمرشح على التحرك في الإنفاق على حملته الإنتخابية ولا أيضًا للائحة التي لها 150 مليون ليرة عن كل مرشح. فهذا موضوع يجب أن يعاد النظر به، وأعتقد أنه سيعاد بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء.

ما هي الآلية العملية لتحديد حجم الإنفاق الإنتخابي علمًا أن قسمًا كبيرًا منه يكون إما مستترًا وإما مغلفًا بصِيَغ أخرى؟

الآلية المعتمدة حددها القانون أولًا باعتبار أن هنالك موجبًا على كل مرشح ولائحة أن تفتح حسابًا في مصرف عامل في لبنان يسمّى حساب الحملة الإنتخابية، ويرفق بتصريح الترشيح، ولا يقبل التصريح إلا مرفقًا بحساب الحملة الإنتخابية، أي أن هناك حسابًا معروفًا باسم صاحبه ورقمه وهو لا يخضع للسرية المصرفية. وبالتالي تبدأ آلية الكونترول من خلال هذا الحساب، ومن خلال أن هناك تدقيقًا محاسبيًا في هذه المسألة. ومن خلال هذا الحساب تدفع المساهمات والنفقات والهبات، وحصرًا خلال فترة الحملة الإنتخابية. هناك إجراءات معتمدة لدى كل مرشح أو لائحة لاستلام الأموال أو الهبات أو المساهمات وغيرها. وعندما يكون هناك تدقيق محاسبي في هذا الحساب تُعرَف ما هي الأموال التي أتت وكيف أنفقت وفي أي اتجاه. طبعًا هنا نتكلم عن الإنفاق المشروع حسب أحكام القانون، ولا نتكلم عن المال الإنتخابي الذي يخرج عن سياق هذا الحساب ولا تُعرف مصادره ولا مآله التي تؤثر على العملية الإنتخابية بالطبع.

هل بإمكان الحكومة ماليًا ولوجستيًا تأمين متطلبات إجراء الإنتخابات في شكل وافٍ وسليم؟

طبعًا الحكومة لديها الوقت الكافي لكي تنظِّم العملية الإنتخابية وتقوم بما يجب أن تقوم به وفق الموجبات التي حددها القانون لهذه الجهة وبالتالي ليس هناك من عوائق إذا أرادت الحكومة أن تقوم بتنظيم الإنتخابات في شكل سليم ووافٍ وحسب أحكام القانون. لذلك الموضوع هنا هو موضوع إرادة سياسية أكثر منه واقع لوجستي. وكما قامت الحكومة في السابق، تستطيع أن تقوم في الحاضر وتستطيع أن تطلب مساعدة دولية مالية ولوجستية على هذا الصعيد. إضافة إلى أن آلية الكونترول على العملية الإنتخابية أي مراقبة العملية الإنتخابية يمكن أن تكون محلية وأيضًا بمساعدة دولية. ولكن طبعًا ربما فريق البزنس السياسي الذي يحكم لبنان لا يريد أن تكون هناك مراقبة دولية لكي لا تبرز بعض الشوائب الكبيرة أو بعض التدخلات أو بعض المال السياسي أو غير ذلك.

إلى أي مدى يمكن أن تحرِّك الكتلة النقدية المنتظر إنفاقها على الحملات الإنتخابية والإعلانات وتأمين مستلزمات الإنتخابات، الوضع الإقتصادي الراكد منذ سنتين؟

المال الذي سيصرف ربما يُحرِّك في شكل محدود الوضع الإقتصادي، ولكن المال الأساسي يأخذه بعض الناس وبعض النافذين وبعض الأشخاص،ولأنه مال «فريش»ربما يحوِّلونه إلى خارج لبنان أو يُدخلونَه في صناعاتهم وتجاراتهم، وبالتالي على الموضوع علامات استفهام لأن الإقتصاد يقوم على مال دائم ومنتج لا على فترات كأنه هبة ساخنة. وهذا يعني أن هنالك مشكلة أساسية في لبنان تُداوى في شكل غير منطقي وغير علمي. وبالتالي هذا مال سياسي ممنوع في القانون لأنه يزوِّر العملية الإنتخابية في شكل مباشر وغير مباشر، ويؤثر على حرية الناخبين. طبعًا هناك الكثير من المستفيدين وربما لا يعطون الناس الأموال التي رُصِدت في الأساس لشراء الأصوات، إنما يأخذها من يُعرَفون بالمفاتيح الإنتخابية ويعطون الناس بعض الفتات. إذن هذا الإنفاق هذا يؤثر في شكل محدود على الواقع الإقتصادي لفترة محدودة جدًا.

كقانوني ومتابع كيف تنظر منذ الآن إلى مجمل هذه العملية، وماذا تتوقع لها؟

الإنتخابات هي فرصة لبداية تغيير ما ولبداية تطوير ما للحياة السياسية ولتحديد خيارات لبنان في أي إطار، لأن وضع لبنان خطير ويمكن أن يؤدي إلى مشاكل كبيرة إذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه. أعتقد بأن المشكلة اليوم هي في أي لبنان سيكون بعد الإنتخابات. واقع الحال أن الدولة متداعية والخدمات الأساسية متراجعة والقضاء يعيش أزمة كبيرة: التسييس، المشاكل الإقتصادية الخطيرة، مسألة المؤسسات التربوية وسواها. إذن كل هذا الموضوع يعكس أزمة إذا ما استمرت ستؤدي فعلًا إلى ارتطام كبير ربما لن تكون هناك بعده قيامة لسنوات طويلة. إذن هذه الإنتخابات هي الفرصة الحقيقية لبداية تصويب الأمور لذلك الناس كمواطنين مدعوون إلى أن ينتخبوا وألا يكونوا مقترعين بل ينتخبوا خيارا سياسيا واضحا لكتل قادرة على تغيير الواقع السياسي، وبأشخاص لديهم الكفاءات التشريعية لكي يكون هنالك تحديث للنظام السياسي في لبنان، وتكون هناك قدرة على بداية الشروع في التغيير على كل الأصعدة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل