ما قبلَ الدولة

إنّ مرحلةَ ما قبل الدولة، غيرَ المأسوفِ على شبابِها أساساً، قد استُعيدَت بأشنعِ حُلَلِها، عندَنا، وشكّلَ ذلك وصمةَ عارٍ شوّهَت مُحَيّا المدَنِيّةِ، والرُقِيّ اللَّذَين كان لبنان يتميّزُ، بهما، عن كاملِ الأوقيانوسِ المُحيطِ به.

وفي هذا الصَّدَد، لا بُدَّ من أن نتذكَّرَ، وبأَسَفٍ عارِم، هولاكو المَغوليَّ الذي دخلَ بغدادَ، وأحرقَ مكتبتَها، وقضى على تراثِها الثّقافيِّ، والحضاريِّ. كما تعودُ بنا الذّاكرةُ الى الإمبراطور يوليوس قيصر الرّوماني الذي أحرقَ، هو الآخرُ، مكتبةَ الإسكندريّة، وقضى على أمّهاتِ الكتبِ التي احتوَت صكوكَ القيمةِ الفكريّة العريقة.

وما ذلك سوى بربريّةٍ موصوفةٍ، ولوثةٍ رديئة، وسلوكٍ دنيءٍ للاستقواء، وتَحَكُّمِ شريعةِ القوّةِ التي تتدحرجُ، أمامَها، الحقوقُ، والأمانُ، والنّظامُ، وأُصولُ الحكم.

إنّ هذه الهمجيّةَ الدراميّة، والتي تنسحبُ على واقعِنا البائس، هي عودةٌ الى عصرِ القَبَليّةِ، والغَزواتِ، والغوغائيّةِ، والعصبيّةِ، ما يهدمُ منظومةَ القِيَمِ الإنسانيّة، ومفهومَ الدولة، ودلالةَ الكيان، وتعريفَ الانتماءِ… وقد أسدلَت هذه العشائريّةُ المُشَوِّهةُ السّتارَ على خارطةِ الدولة، بما تتضمّنُه من مقاييسَ للولاءِ، والوطنيّةِ، وأقانيمِ الوطن، وحضورِ القانون، وبَيانِ السيادة. وقد أصبحنا، أمامَ هذا الخَطفِ الهجينِ للدولة، بحاجةٍ الى إعادةِ إنتاجِ أُسُسٍ جديدةٍ تحدِّدُ العلاقةَ بين التجمّعاتِ البشريّةِ التي تتساكنُ في رقعةٍ واحدةٍ تُسَمّى: بلادُنا!

إنّنا نقفُ، في دولتِنا النظريّة، في مواجهةِ تَراخٍ شبهِ تامٍ من جانبِ القيّمينَ على السلطةِ، في موضوعِ تضييعِ الكيان، وتَذويبِ الدولةِ، وتشويهِ الإرثِ الوطنيّ، والتي تتزعّمُهُ غزوةٌ مُريبةٌ، ما يدفعُنا الى إصدارِ بيانِ نَعيٍ لحُكّامٍ فشلوا في إجراءِ جراحةٍ تجميليّةٍ لكرامتِهم، بتخاذلِهم، وعقمِهم، وتَبَعيّتِهم لخارطةٍ غيرِ خارطةِ لبنان.

إنّ ما وصلنا إليهِ من انهيارٍ لِبُنى الدولةِ، والوطن، ليس مجرَّدَ ظاهرةٍ عابرةٍ تتضاءلُ مع الوقتِ، أو بِحُكمِ الظّروفِ التي يمكنُ أن تستجِدّ، بقَدرِ ما هو ثابِتٌ يتعمّقُ، تدريجياً، وعامِلٌ يترسَّخُ إيديولوجيّاً، يعيدَ الزمنَ الى عهودِ ما قبل الدولة، ويشلُّ مبادئَ العَيشِ الكريمِ في ديمقراطيّةٍ تراعي حقوقَ النّاسِ، وكيانيّةَ البلاد.

إنّ هذا الضَّرَرَ الذي يطالُ الوطنَ، في كيانِهِ، ودولتِه، وتَمَرُّسِهِ الدّيوقراطيّ الحرّ، وفي انفتاحِ مِصراعَيهِ على حضارةِ الدّنيا، وفي احترافِه دَوراً رياديّاً في الفكرِ والعِلم، هو ضَرَرٌ يوقِّعُ مرسومَهُ مُتَسَوِّلو السّلطةِ الذين خُتِموا بالتنكُّرِ لحسِّهم الوطنيّ، مَدفوعينَ بِمَن جادَ عليهم بالألقاب، فصادرَ كرامتَهم، وتواقيعَهم على صَكِّ الانتداب، ليعودَ الوطنُ الى نظامِ المِلَلِ ما قبل الدولة، وليصبحَ الشَّعبُ المَغلوبُ على أمرِهِ كَومةً من اللّاجئين.

لعلَّ القيِّمينَ على شَدِّ البلادِ الى ذلك الزّمنِ الرّديء، زمنِ الجاهليّةِ والانحطاط، يظنّون أنّهم، بخطاباتِهم وإعلاناتِهم، يموّهونَ أهدافَهم المشبوهةَ، ويكذِّبونَ اقتناعَ الأكثريّةِ من أنّهم، كأصوليّين، يعملون على إعادةِ عقاربِ الوقتِ الى عصورِ الظّلام. كلا، فإنْ وُجِدَت، في مجتمعِنا، شريحةٌ مُدَجَّنَةٌ لا تشعرُ ببصماتِ الانتدابِ الآتي، فهذا لا يُؤَشِّرُ، بتاتاً، الى أنّ النّسيجَ الشَّعبيَّ، في أغلبِ عناصرِه، يرضى أن يُفرَضَ عليهِ الاندماجُ في عنصريّةٍ متسلّطةٍ مُستبدَّةٍ تسعى الى الإطباقِ على الوطنِ، دولةً، وشَعباً، ومؤسّساتٍ، ونظاماً، ومساحةَ حريّات.

إنّ الانتماءَ الى لبنانَ هو قضيّةُ التزامٍ وليس قضيّةَ امتياز، وبالتالي، نحن نرفضُ إعادةَ إنتاجِ ديكتاتوريّاتٍ رجعيّةٍ، وثيوقراطيّاتٍ بائدةٍ تعيدُنا الى حَرَمِ العزلةِ، وتُعاملُنا كرعايا. ونحن نَعي أنّنا أمامَ ازمةٍ متعدّدةِ الجوانب، أخطرُها الانقلابُ الاستراتيجيُّ على بُنيةِ الوطن، وعلى صيغةِ الدولة، لبسطِ استعمارٍ يزجُّ بنا في نَفَقِ التخلّف، وذلك، في إطارِ خطّةٍ مبرمَجةٍ تبدأُ بالهيمنةِ الأمنيّةِ، وتُستَتبَعُ بالسيطرةِ السياسيّة، وصولاً الى تَحكيمِ نظامِ الخلافة.

لقد وَصَّفَ بعضُهم مجتمعَنا، توصيفاً غيرَ بريءٍ، بأنّهُ جماعاتٌ مفكَّكة، مقسَّمة، جاهلة، خاضعةٌ، في غالبيّتِها، لانتماءاتٍ طائفيّةٍ تكرِّسُ حيثيّاتِ الإقطاع، والوراثةِ، والتَوَعُّر، ما يجعلُها غنيمةً سهلةً ينهشُها المتزَعِّمون، ويتقاسمونها، بينهم، فتنسحقُ، بذلك، كلُّ قدرةٍ على المواجهة، وينسحبُ الخضوعُ الطّوعيّ على أذهانِ الناسِ، وسلوكِهم. وفي هذا التّوصيفِ تسليمٌ فاضحٌ لمؤهّلاتِ الشّعبِ، أفراداً ومجموعات، للخُمولِ، والانكفاءِ، والإحباط، وتَهجيرِ مواجهةِ سَبيِ الوطن.

الى السّاعينَ لإعادتِنا الى زمنِ الإمبراطوريّات، وكذلك، الى البَلَديّين الذين نُوِّلوا أقراصاً نَوَّمَت حسَّهم الوطني، لن نرضى، إطلاقاً، أن نعيشَ ذِميّين، وغيرَ لبنانيّين، ولَو فتحتُم علينا بابَ جهنَّم.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل