لبنان والعتمة…

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1722

لبنان والعتمة…

مشاريع تُكتب في الظُلمة والوعود… وهمية

يعتبر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن ملف الكهرباء هو أولوية بالنسبة إلى حكومته. حتى في فترة التجميد المستمرّة بنتيجة الضغط لتنحية القاضي طارق البيطار، أبقى ميقاتي على هذا البند أولوية ساعيًا إلى أن يكون سببًا لعودة العمل الحكومي، علّه ينجح في إحداث خرق على هذا الصعيد بعدما عاود اتصالاته مع الكويت بهدف تأمين التمويل اللازم للخطة الموضوعة، أنعاشًا لمساع كانت قائمة منذ العام 2012. لكن ثمّة من المتابعين من يؤكد أن أي مسعى أو خطة لحل أزمة الكهرباء تركّز على الجوانب التقنية والتمويلية فقط من دون حل السياسي متكامل، تبقى قاصرة عن معالجة الأزمة ومجرد رتقٍ للثوب المهلهل لا يفي بالغرض المطلوب. وفي هذا الإطار يعتبر البعض أن الحل الآني أفضل الممكن إلى أن يحين أوان الحل السياسي الشامل، فيما يعتبر آخرون أن ذلك لن يؤدي إلا إلى مزيد من الهدر من دون الحصول على الكهرباء. فما هي الحلول إذن؟ وهل يمكن إعادة بصيص الضوء إلى ظلمة الواقع الحالي؟ وماذا يقول الخبراء؟

زادت ساعات التقنين في الفترة الأخيرة وتوقفت معامل كلّيًا عن الإنتاج فحلّقت فواتير المولدات بما لا طاقة للمواطن على تحمّله أو قدرة لسداده. وبدل أن يكون لبنان بلغ 24 ساعة تغذية على 24 بحلول العام 2015 كما كان وعد وزير الطاقة يومها جبران باسيل، حلّت العتمة 24/24، مع ما يترتب عن ذلك من خسائر منظورة وغير منظورة. فلبنان يخسر سنويًا نحو 200 مليون دولار كلفة اقتصادية واجتماعية وبيئية بسبب انقطاع الكهرباء والمعامل التي تشغّل من دون شروط بيئية.

ما بلغه الوضع اليوم لم يعد ضمن الأطر الفنية أو بكيفية توفير الطاقة للمعامل، بل في النهج المعتمد على هذا الصعيد منذ التسعينات وخصوصًا في السنوات الـ 12 الأخيرة. ففي تلك الفترة، تم تقديم أكثر من 10 مشاريع لإصلاح الكهرباء، إلى جانب مناقصات إستقدام البواخر كحل عملي وموقت إلى حين تنفيذ المشاريع التي يضم بعضها إنشاء معامل حديثة للطاقة المتجددة، وجميعها باءت بالفشل بل إنها كبّدت الخزينة مليارات الدولارات لنصل إلى صفر تغذية وعتمة معطوفة على الإفلاس.

 

مشاريع ومخاوف

يتم النقاش منذ فترة حول استجرار الطاقة من الأردن والغاز من مصر ما يؤمّن قسمًا لا بأس به من التغذية المطلوبة، ويرى الخبراء أن ذلك يندرج هو الآخر ضمن سياسة الترقيع ولا يفي بالغرض المطلوب، خصوصًا أن نجاحه دونه عوائق تقنية وسياسية. فبالنسبة إلى الأردن، الذي استضاف مؤخرًا وزراء الطاقة في كل من سوريا ومصر ولبنان لبحث سبل تعزيز التعاون لإيصال الغاز المصري إلى لبنان، أكد مصدر حكومي أن عملية الربط الكهربائي مع لبنان لن تتم قبل الربع الثاني من العام المقبل بسبب أعمال الصيانة من قبل الجانب السوري للشبكة. وكشف أن «الأردن مستعد حاليًا لتزويد لبنان بحاجته من الكهرباء غير أن سبب التأخير يأتي لتلف أجزاء من الشبكة الكهربائية بسبب الأحداث الأمنية على مدار السنوات الماضية»، مبيّنًا أن المملكة لديها قدرة على تصدير الكهرباء بالكميات التي يحتاجها لبنان.

لكن المسؤول الأردني نفى أي إتفاقات على الكلف، مبينًا أنه في حال تم الربط فإن شركة الكهرباء الوطنية الأردنية ستعمل على الإتفاق مع نظيرتها اللبنانية على تفاصيل الأسعار والكلف المحتملة لشراء الكمية التي قد تصل إلى 250 ميغاوات. وهذا بحسب المراقبين سيشكل سببًا آخر مضافًا إلى الأسباب المحتمل أن تؤخر أو تعيق عملية النقل من الأردن. وعليه، فعمليًا لن يحصل لبنان على أكثر من 4 ساعات يوميًا كزيادة في التغذية الكهربائية. فمحطة دير عمار سعتها تبلغ حوالى 450 ميغاوات، وهذه الكمية سيتوفر لها الغاز من الخط العربي، وهناك حوالى 250 ميغاوات من الكهرباء يُخطَّط لها أن تتأمّن من الأردن. لكن تبقى الخشية من المعوقات والتأخير، أو فشل المشروع برمّته.

 

لو صدق الوزراء!

يقول المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة غسان بيضون إنه «خلال حزيران 2010 وافق مجلس الوزراء على خطة لمعالجة أزمة قطاع الكهرباء هدفها الرئيسي تأمين زيادة الإنتاج وتأمين التوازن المالي للمؤسسة وإعفاء الخزينة من أعبائها. وقد انبثق عن هذه الخطة القانون 181/2011 ويرتكز على ثلاثة أمور رئيسية هي: زيادة الإنتاج 700 ميغاوات وتحسين شبكة النقل. وتعيين هيئة ناظمة لقطاع الكهرباء لإعطاء تراخيص إنتاج للقطاع الخاص لتأمين الزيادة على طلب الطاقة. وثالثًا، تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان ليواكب الخطة وتشركتها وتطوير أوضاعها تطبيقاً للقانون 462/ 2002. وتنفيذ هذه الخطة كان يجب أن يتم مع نهاية العام 2015، غير أنه فشل».

يوضح مصدر مسؤول في وزارة الطاقة أسباب الفشل بقوله أن «تلزيم دير عمار حصلت فيه مخالفة مختصرها أن هناك من أبلغ ديوان المحاسبة بأنه لم يتم تطبيق دفتر الشروط لناحية تضمين السعر قيمة الـ TVA لأن المشروع سوف يتم تمويله من الخارج. وقد تعامل الديوان مع هذه المعلومات على أنها صحيحة. وبعد المباشرة بالتنفيذ تبيّن أن شروط الإعفاء من الضريبة لم تتوفر .وعند مراجعة ديوان المحاسبة تبيّن أن المعلومات التي تم تقديمها بالنسبة لعدم تطبيق دفتر الشروط بالنسبة للضريبة، لم تكن مبررة ولا تتفق مع تطبيق القانون، فاعتبر طلب زيادة الإعتماد لتغطية الضريبة زيادة على السعر الإجمالي للتلزيم. وأدى ذلك مع أسباب أخرى الى عدم تنفيذ دير عمار وأقام المتعهد دعوى تحكيم ضد الدولة. وكذلك حصلت مشكلة في معملي الذوق والجية الجديدين بسبب إشكالية تتعلق بمفاوضات بعد رسو التلزيم أدت إلى تغيير شروط التنفيذ. فتأخّر هذا التنفيذ وأدى إلى دعوى تحكيم أخرى». وتابع: «من حق الرأي العام والمواطن والمسؤول إستغراب عدم نجاح تطبيق «خطة الكهرباء» على الرغم من كل هذه التسهيلات والقرارات والقوانين. والأغرب أن تسمع دائماً من يتحدث عن العرقلة ويعتبر الإنتقاد إساءة لسمعة القيّمين على وزارة الطاقة خلال السنوات العشر الأخيرة.

وفي هذا السياق يشير بيضون لـ«المسيرة» إلى أن «خطة العام 2010 شملت تأهيل معملي الذوق والجية القديمين، وتوفر تمويل قيمته 260 مليون دولار من الصندوق الكويتي، ووافق مجلس الوزراء على استئجار بواخر لمدة أقصاها 3 سنوات، غير أن التأهيل لم يحصل وجرى التمديد للبواخر بعد زيادة قدرتها من 270 الى 370 ميغا. أما بالنسبة إلى مقدمي الخدمات، فقد وافق مجلس الوزراء على المشروع لمدة 3 أو 4 سنوات، وجرى التمديد للشركات على الرغم من فشل المشروع وارتفاع تكلفته. وها نحن اليوم أمام تأخر في الجباية وعجز المؤسسة عن تسديد مستحقاتها مثل البواخر. وإذا راجعنا  موافقات مجلس الوزراء والقوانين التي صدرت تسهيلًا لإصلاح الكهرباء، نجد أنها كثيرة وأكثر من كافية لنجاح هذا الإصلاح، غير أنه لم يتم التقيّد بالقوانين ما أدى الى إضاعة فرصة ثمينة للبلد وللإقتصاد وللمواطن وللخزينة وللقطاع.»

ويضيف: من هذه التسهيلات التي أقرّت يومها:

– موافقة مجلس الوزراء على زيادة التعرفة خلال 2017.

– قانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص خلال 2017 لاتاحة المجال للقطاع الخاص لبناء معامل كهرباء، والذي لم يتم تطبيقه بسبب عدم تعيين الهيئة الناظمة.

-خلال أيار 2018 وافق مجلس الوزراء على عرض متعهد دير عمار لبناء المعمل بطريقة الـ BOT غير أن وزير الطاقة لم ينجز مهمة التفاوض مع المتعهد وضاعت الطاسة.

-خلال 2019 صدر القانون 129 المتعلق بتمديد صلاحية مجلس الوزراء بإعطاء تراخيص الإنتاج للقطاع الخاص بناء على اقتراح وزيري الطاقة والمالية، ولم يطبق.

– خلال 2017 وافق مجلس الوزراء على تلزيم إنتاج الطاقة من الرياح الذي عرضه وزير الطاقة وحتى اليوم لم يُعرف مصير المشروع!»

ويلفت إلى أننا «بوجود القانون رقم 48 / 2017 الذي ينظم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لسنا في حاجة لاستصدار القانون رقم 129 / 2017، بقصد التهرّب من تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء التي ينص القانون رقم 48 على تمثيلها في لجنة المشروع من خلال رئيسها (الفقرة 3 من المادة 4). فقرار مجلس الوزراء بالموافقة على خطة الكهرباء 2010 يوجب بشكل صريح تطبيق القوانين والأنظمة في جميع مراحل التنفيذ».

من جهته، يعتبر النائب السابق لرئيس الحكومة غسان حاصباني، «أن الحل باستجرار الغاز من مصر والكهرباء من الأردن، يمكنه تأمين جزء كبير من احتياجات لبنان للطاقة لكنه ليس الحل الأنسب على المدى البعيد لأسباب تقنية ومالية واستراتيجية. فلا يمكن للبنان أن يعتمد كليًا على دول أخرى في خدمة استراتيجية كالكهرباء، حتى ولو تم تنويع المصادر من الأردن وتركيا مثلًا، فلبنان يبقى محدودًا بحدوده مع سوريا ومعتمدًا عليها. أما من الناحية التقنية، فالحل عادة يعتمد لسد جزء بسيط من الحاجة الإضافية للطاقة وقت الذروة أو كإحدى الوسائل لتحفيز المنافسة على الأسعار عندما يوجد أكثر من منتج للطاقة في السوق. وعلى المستوى المالي، قد لا يكون هذا الحل هو الأقل تكلفة مقارنة مع إنتاج الطاقة محليًا، خصوصًا إذا كانت تعرفة النقل عبر سوريا مرتفعة كونها خط المرور الوحيد المتاح.»

ويوضح لـ«المسيرة» أن «أهمية الهيئة الناظمة تكمن في تنظيم القطاع بعيدًا عن تدخّل السلطة السياسية. فهي تعطي التراخيص لشركات الإنتاج، وتدير وتصدر القرارات التنظيمية المتعلقة بالأسعار والمواصفات وغيرها. وهذه صلاحيات يتمتع بها حاليًا الوزير. ويتطلب تشكيلها نقل هذه الصلاحيات من السلطة السياسية الى سلطة مستقلة، وهذا ما لم يحصل منذ إقرار القانون في العام 2002.» ويعتبر أنه «إذا توفّر القرار السياسي، وطبِّقت الحلول التقنية والتنظيمية بشكل صحيح، يمكن تأمين الكهرباء 24/24 خلال 5 أشهر باستخدام نظام الإنتاج اللامركزي المؤقت، والبدء بتنفيذ الحلول الدائمة الواردة بخطة الكهرباء وتطبيق القانون 362 فورًا ووضع نظام فوترة حديث مع جباية محليّة فعّالة في المناطق ونزع التعديات. إضافة الى تأمين التمويل الذاتي بإعادة النظر بالتسعير وإيقاف المولدات غير الشرعية كليًا.»

 

الحل… سياسي

يُجمع الخبراء على أن الحل المستدام لقطاع الكهرباء في لبنان، يكون بتغيير سياسة تأمين الكهرباء، عبر اللجوء إلى الطاقة المتجددة، وتحسين آلية الجباية وإعادة هيكلة مؤسسة الكهرباء على المستوى الإداري، وتشكيل الهيئة الناظمة. وتعيين رئيس جديد لمجلس الإدارة من دون انتظار تعديل القانون 462/2000، وأن تباشر مؤسسة الكهرباء برفع تعرفة مبيع الطاقة لدى المؤسسة، والتعجيل بتحصيل فواتيرها المتأخرة، وإلا فستكون العتمة الشاملة قدرًا لا مهرب منه.

فيما يرى حاصباني أن «الحل سياسي بالدرجة الأولى حيث يجب تطبيق القانون وتحرير القطاع من قبضة السلطة السياسية بتعيين هيئة ناظمة كما نص عليها القانون والإنفتاح على التعاون مع الجهات المموِّلة والمستثمرة الدولية». فالإشكالية الكبرى بنظره هي «أن ثمة فريقين يريدان المحافظة على السيطرة الكاملة على القطاع وحصر القرار بيد الوزير الذي يمثل فريقًا سياسيًا، وفرقاء آخرين في السلطة يريدون الشيء عينه لأنفسهم، فتخضع الحلول للمساومات. هذا هو سبب العلة الإساسية التي تعاني منها كل قطاعات الدولة والأمل هو بتعيين هيئات ناظمة مستقلة تُبعِد المصالح السياسية عن الأمور التشغيلية والإدارية في هذه القطاعات الأساسية التي لها طابع تجاري».

ويرى المراقبون أنه منذ استقبال الرئيس ميقاتي لوفد الصندوق الكويتي في العام 2012 والإعراب عن استعداده لتمويل خطة الكهرباء ومنها معمل دير عمار، لو تم تمويله من الصندوق الكويتي لأعفينا البلد من مشكلة تمويل دير عمار من الخارج وإعفائه فعليًا ووفق القانون من الضريبة على القيمة المضافة التي شكلت جوهر المشكلة التي أدت الى وقف تنفيذ المشروع وفشل الخطة…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل